
مقدم برنامج من واشنطن على شاشة الجزيرة From Washington show host, Award Winning Arab American Journalist @usagmgov Award, @nyfestivals Best coverage.
Washington, DC
Joined February 2018
- Tweets3.1K
- Following1.3K
- Followers58.1K
- Likes5.1K
Pinned Tweet
خبر شخصي: ابتداء من الخميس المقبل عند السابعة وخمس دقائق مساء بتوقيت مكة المكرمة… أعود إليكم أسبوعيًا على شاشة الجزيرة عبر برنامج "من واشنطن" في حلته الجديدة. سنقرأ التحولات الكبرى في السياسة والأمن والاقتصاد، ونقترب أكثر من القصة الأمريكية التي تؤثر مباشرة في منطقتنا والعالم. أراكم على الموعد. محمد معوض
Mohamed Moawad retweeted
«الموت يضحك في واشنطن» — هل تنبّأ المخزنجي بأمريكا التي نراها اليوم؟
مقال رائع، وتقدمة رائقة، وتعقيب راقٍ. قراءة تستحق التأمل.
@moawady
منذ سنوات بعيدة، كان الدكتور محمد المخزنجي واحدا من أولئك الكتاب الذين لا نقرأهم فحسب، بل نتكون بهم. كنت أقرأه فأشعر أن الكتابة يمكن أن تكون أرق من الخبر، وأعمق من الحكاية، وأن الصحافة حين تمسها يد الأديب لا تعود مجرد رواية لما وقع، بل تصبح بحثا عما وقع في الإنسان. وما أكثر الذين نقرأ لهم ثم ننساهم، وما أقل الذين نقرأ لهم فيبقون في الطريقة التي نرى بها الأشياء. كان المخزنجي من هؤلاء القلائل. له في وعي جيل كامل شيء لا يقاس بعدد المقالات والكتب. شيء من تلك الديون الجميلة التي لا يريد المرء أن يسددها، لأنه يحب أن يبقى مدينا بها. دين الذائقة لمن هذبها، ودين العين لمن علمها أن ترى، ودين القلب لمن دله، وسط ضجيج العالم، على الإنسان.
كتبت مقالا، فوصل إلى الدكتور محمد المخزنجي، ثم جاءني منه ما لم أكن أنتظره. أن يقرأ من علمنا القراءة شيئا مما كتبت، وأن يتوقف عنده، ثم يكتب تعقيبا عليه. وهنا تختلط الأزمنة على نحو لا يقدر عليه إلا الأدب. الفتى الذي كان يقرأ المخزنجي قبل أعوام بعيدة، والرجل الذي يكتب اليوم، يلتقيان فجأة في صفحة واحدة.
اليوم، تنشر صحيفة الشروق المقال، وتنشر معه تعقيب الدكتور محمد المخزنجي عليه. ولا أعرف إن كان لهذا أن يسمى احتفاء بمقال، أم مصادفة أدبية وهدية قدرية.
شكرا للدكتور محمد المخزنجي، الكاتب الذي قرأناه حتى صار شيء منه فينا.
وشكرا لصحيفة الشروق جمعت على صفحة واحدة، شيئا من البدايات… وشيئا مما صرنا إليه. وأترككم مع تعقيب الدكتور المخزنجي ورابط المقال والتعقيب في التعليقات..
منذ سنوات بعيدة، كان الدكتور محمد المخزنجي واحدا من أولئك الكتاب الذين لا نقرأهم فحسب، بل نتكون بهم. كنت أقرأه فأشعر أن الكتابة يمكن أن تكون أرق من الخبر، وأعمق من الحكاية، وأن الصحافة حين تمسها يد الأديب لا تعود مجرد رواية لما وقع، بل تصبح بحثا عما وقع في الإنسان. وما أكثر الذين نقرأ لهم ثم ننساهم، وما أقل الذين نقرأ لهم فيبقون في الطريقة التي نرى بها الأشياء. كان المخزنجي من هؤلاء القلائل. له في وعي جيل كامل شيء لا يقاس بعدد المقالات والكتب. شيء من تلك الديون الجميلة التي لا يريد المرء أن يسددها، لأنه يحب أن يبقى مدينا بها. دين الذائقة لمن هذبها، ودين العين لمن علمها أن ترى، ودين القلب لمن دله، وسط ضجيج العالم، على الإنسان.
كتبت مقالا، فوصل إلى الدكتور محمد المخزنجي، ثم جاءني منه ما لم أكن أنتظره. أن يقرأ من علمنا القراءة شيئا مما كتبت، وأن يتوقف عنده، ثم يكتب تعقيبا عليه. وهنا تختلط الأزمنة على نحو لا يقدر عليه إلا الأدب. الفتى الذي كان يقرأ المخزنجي قبل أعوام بعيدة، والرجل الذي يكتب اليوم، يلتقيان فجأة في صفحة واحدة.
اليوم، تنشر صحيفة الشروق المقال، وتنشر معه تعقيب الدكتور محمد المخزنجي عليه. ولا أعرف إن كان لهذا أن يسمى احتفاء بمقال، أم مصادفة أدبية وهدية قدرية.
شكرا للدكتور محمد المخزنجي، الكاتب الذي قرأناه حتى صار شيء منه فينا.
وشكرا لصحيفة الشروق جمعت على صفحة واحدة، شيئا من البدايات… وشيئا مما صرنا إليه. وأترككم مع تعقيب الدكتور المخزنجي ورابط المقال والتعقيب في التعليقات..
لأن الدنيا عندى صارت تتكون من حكايات،
فإننى أحكى،
بعد ليلة ليلاء:
ليلة السبت 22 أغسطس المنصرم، عصف بى ألم لا يطاق بدأ فى التاسعة مساء، أخذ يسحق نصف وجهى الأيسر، ويصعد قاصفا نصف دماغى الأيسر بصداع لا يُحتمل، وهنا تدخَّل طيف الطبيب الذى كنته، ومعروف أن أسوأ المرضى هم الأطباء حين يمرضون، أخذت أتقافز موجوعا بين التشخيصات: ألم العصب الخامس؟ أم السابع؟ أم ضرس عقل فقد عقله؟ أم التهاب أذن تتجاهل طرقات الألم؟ أم التهاب شريان صدغى لا يجب استبعاده عند كبار السن؟ هل صرت من كبار السن؟! هززت رأسى متعجبا، وبدأت «بلبعة» المسكنات مع امتداد ليل الألم: بنادول اكسترا قرص، بل قرصان، كاتافلام 50 مجم ـ قرص، وقرص ثان، ولم يهدأ الألم إلا فى الساعة السابعة صباحا، غفوت مهدودا نصف ساعة، وصحوت مترنحا. كان هناك «موعد محبة» فى الحادية عشرة نهارا مع الصديق الأقرب ــ مكانا ومكانة ــ «عمرو خفاجى»، والصحفى الشاب «بِشرى عبد المؤمن» الذى يحمل لى هدية مشكورة من رئيس تحرير المصرى اليوم «علاء الغطريفى»: فلاشة عليها صور المقالات العلمية الأدبية التى نشرتها فى الجريدة على امتداد نحو خمس سنوات وتشكل موسوعة فى «الثقافة الثالثة» تزيد عن ألف صفحة، وأعتز بها كثيرا كثيرا..
كان الأرق المعجون بالألم الساحق قد حولنى إلى طيف، فكرت أن أعتذر لعمرو خفاجى وبِشرى، ولم أجد ذلك لطيفا، أخذت دوش ماء باردا عنيفا، وارتديت ثياب الخروج، شربت «مَج موكَّا ساخنة» فى مكانى الأثير بمقهاى الأنيس، لمست بعض العافية قبل الموعد بساعة، ولمحت إشارة رسالة على «واتساب؟» كانت من عمرو خفاجى أرسلها فى السابعة والنصف صباحا، وبها هذا المقال المنشور على «فيس بوك» الذى ليس لى به صفحة. اجتاحنى العنوان: «الموت يضحك فى واشنطن. هل تنبأ المخزنجى بأمريكا التى نراها اليوم» قرأت فلم يعد هناك ألم! واختفى وهن الليلة الساحقة! صرت حصانا يرمح ويصهل، نشوة وغبطة، فالمقال المكتوب بأسلوب بديع، وطواف مشبع، وغوص فى مياه الحياة الأمريكية العميقة لعموم الناس، لا النخب السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من أهل الحكم والتحكم الطافين على السطح المخادع، كان هدية. ومنتشيا بالهدية بحثت عن مهديها، إنه «محمد معوض»، الكاتب والإعلامى الشاب العربى الأمريكى القدير. لقد جلَّى فى مقالته هذه، ما غيبَته وتغيبه ــ عادة ــ تغطيات التقارير الإعلامية والصحفية والتحاليل السياسية والاقتصادية، فنظرَ مليا فيما تنطوى عليه قلوب ونفوس عموم الناس من قلق وخوف تجاه ما يجد على أرض «الحلم الأمريكى» من ارتجاج ينذر بالكثير الخطير. أما ذروة فرحى بهديته هذه لقصتى وكتابى، فهى تآخيه مع أهم ما اكتسبتُه من المعرفة والتأمل فى حياتى ككاتب وقارئ، وهو: «حِس التناظر!»..
إنه الحِس الذى شكَّل داخلى يقينا بأن هناك قوانين حاكمة فى أمور وظواهر تبدو مختلفة متباعدة، لكننا إذا اجتهدنا فى تأملها، ندرك عميق تشابهها، ونلامس اليقين بأن ما يجمع تشابهها هو هذا «القانون الحاكم» للفعل، وردات الفعل. وأعتقد أن هذه هى جوهرة التناظر التى أمسك بها محمد معوض فى مقاله، إذ ربط ما بين معالجته للحلم الأمريكى الذى ينتفض لقلقه مما يستجد عليه ــ الآن ــ ويهدده، وبين الموت إذ يضحك فى قصتى ــ التى كتبتها منذ اثنين وأربعين عاما ــ عن أفراد أسرة مصرية بسيطة يهوى سقف بيتهم فى عمق ليلة شتوية قارسة، وينذر بانهيار البيت كله على هذه الأسرة، إذ يرتج مع مرور الشاحنات الثقيلة فى الطريق القريب. يحل شبح الموت وما من ملاذ أو معين، فيستقبله أفراد هذه الأسرة بأغرب وأعجب «آليات الدفاع النفسى» إذ يحوِّلون مسرح الموت المنذر بانهيار البيت عليهم ودفنهم تحت أنقاضه، إلى عرض ساخر، يضحك فيه الموت، «ضحكا كالبكا»، لكنه فى عمقه يرتجى الحياة! وهنا نعثر على «النظير» فى مقال «محمد معوض»، فارتجاج الولايات المتحدة المنذر بالمخيف لمن أملوا فى «الحلم الأمريكى»، وبما رصده الكاتب ثاقب التبصر فى «قلق» عيون وصدور وصحو ومنام السواد الأعظم من الأمريكيين، الصناع الحقيقيين لذلك الحلم الأمريكى، هو نظير «قلق» أفراد الأسرة المصرية من نذير انهيار بيتهم المرتج عليهم.
فشكرا لـ «محمد معوض»، وشكرا للشروق إذ تنشر مقالته كما ودَدْتُ، فى صفحة الثقافة، لأن التماس حساسية الأدب فى الصحافة والإعلام والتحليلات السياسية والاقتصادية وغيرها، يضيف روحا نابضا لكل ذلك، وقد بتنا فى حاجة ماسة لإنسانية النبض والروح، فى عالم يجفف بحيرات روحه!
حين خرج عبدول السيد من ديربورن ودخلت أمريكا إليها!
عبد الرحمن السيد يقف الآن في تلك المسافة الدقيقة بين أن تكون مرشحا عاديا تنتصر أو تهزم وبين أن يؤسس لتحول تاريخي في تاريخ أمريكا السياسي المعاصر. فهو ابن مهاجر مصري، مسلم، طبيب، نشأ في ميشيغان، وكان يمكن أن تختصره أمريكا بسهولة في هذه الكلمات الأربع، فيصبح المرشح العربي المسلم الذي يحمل إلى واشنطن مظالمهم، ويطلب لهم مكانا أوسع حول المائدة. لكنه فهم، أن الطريق الحقيقي إلى قلب السياسة الأمريكية لا يبدأ بأن تطلب من المائدة كرسيا للأقلية التي تنتمي إليها، بل بأن تسأل من صنع المائدة، ومن يجلس حولها، ومن يدفع ثمن الطعام، ولماذا بقي الملايين واقفين خارج الغرفة. وهنا تكمن ظاهرة عبد الرحمن أو عبدول السيد. فهو ليس أول عربي أمريكي يدخل السياسة، ولا أول مسلم يترشح لمنصب كبير، ولا أول تقدمي يهتف ضد نفوذ الشركات، ولا أول ابن مهاجر يقف أمام جمهور أبيض ويحدثه عن أمريكا. لكن الجديد في تجربته أن الهوية عنده لا تبدو الحيز الذي يسكن فيها خطابه، بل الباب الذي خرج منه إلى خطاب أوسع. وهذه نقلة بالغة الأهمية في تاريخ العرب والمسلمين الأمريكيين من السياسة الأمريكية.
فالسياسة المهجرية التقليدية تقول للأمريكي أنا عربي، وهذه قضيتي، وأريد منك أن تفهمها. أما السيد فيحاول أن يقول أنا أعرف هذه القضية لأنني عربي، لكنني أعرف أيضا لماذا لا تستطيع دفع فاتورة الطبيب، ولماذا أغلق المستشفى في بلدتك، ولماذا ارتفع ثمن الطعام، ولماذا يذهب مالك إلى حرب لا تريدها، ولماذا يستطيع الملياردير أن يصل إلى السيناتور بينما تقضي أنت ثلاثة أشهر تنتظر موعدا مع طبيب. وبذلك لا يطلب من العامل في مدينة فلنت أن يدخل إلى القضية العربية. إنما يأخذ القضية العربية ويضعها إلى جوار فاتورة العامل في فلنت، ثم يقول لهما.. انظرا جيدا قد يكون في القصتين شيء من النظام نفسه. وهذه صناعة سياسية أذكى كثيرا من سياسة الهوية.
لقد حاول عبدول السيد هذا الطريق من قبل. في 2018 جاء شابا يريد منصب حاكم ميشيغان، تحمله موجة بيرني ساندرز واليسار الجديد، ويتحدث عن Medicare for All او الرعاية الصحية للجميع وعن الشركات وعن المال في السياسة. وخسر الانتخابات التمهيدية. وكان يمكن أن تكون تلك نهايته. لكن الهزيمة أحيانا تعلم السياسي ما لا يعلمه النصر بأن الحماسة ليست ائتلافا، وأن الجماعة التي تصفق لك ليست بالضرورة الولاية التي تنتخبك، وأن السياسة الأمريكية لا يكفي فيها أن تكون صاحب قضية فينبغي أن تجعل الآخر يكتشف أن قضيتك تتحدث عنه أيضا.
عاد بعد ثماني سنوات أكثر خبرة، وفاز في أغسطس الماضي بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ، رغم معارضة مؤسساتية وإنفاق خارجي هائل ضده. واليوم أصبح الحزب الذي خاض معه معركة التمهيد يرسل كامالا هاريس إلى ديترويت لتقف إلى جانبه. وتلك وحدها صورة تستحق التأمل. الرجل الذي كان السؤال قبل أسابيع هل يستطيع اختراق المؤسسة، أصبحت المؤسسة تسأل كيف تجتمع حوله. وليس معنى ذلك أنه سينتصر ولا أن ميشيغان كلها معه. فالانتخابات العامة شيء آخر تماما، وخصوم السيد يحاولون بالفعل جعل دينه ومواقفه من إسرائيل جزءا مركزيا من المعركة. وقد وثقت تقارير حديثة تصاعد خطاب معاد للمسلمين حول ترشحه، فيما تظل مواقفه من غزة وإسرائيل من أكثر عناصر حملته إثارة للانقسام. لكن التاريخ لا يبدأ دائما بانتصار كامل. أحيانا يبدأ بأن يصبح ما كان مستحيلا بالأمس قابلا للنقاش اليوم.
وهنا ينبغي أن نقرأ السيد إلى جوار التحول الأوسع في اليسار الأمريكي. كان اليسار الأمريكي زمنا طويلا يتحدث لغة الجامعات أكثر مما يتحدث لغة محطات البنزين. كانت له قاموسياته، وهوياته، ومصطلحاته، ومعاركه الثقافية التي يفهم بعضها من قضى عشرين عاما في الندوات أكثر مما يفهمها عامل قضى عشرين عاما في المصنع. ثم جاء جيل جديد يتعلم شيئا قديما جدا بأن الفقير الأبيض والفقير الأسود والمهاجر العربي والأم العزباء لا يشتركون بالضرورة في الهوية، لكنهم قد يشتركون في الفاتورة. وهذه هي العبقرية القديمة للشعبوية حين تحسن استخدامها. بأن تحول السياسة من سؤال من أنت؟ إلى سؤال: من أخذ منك ماذا؟…
وحين يستطيع الرجل أن يقول إن شاء الله على منصة انتخابية أمريكية، فيحاول خصومه تحويل الكلمة إلى علامة اغتراب، بينما يسمعها جزء آخر من الجمهور كما يسمع أي أمريكي عبارة “God willing”. وقد حدث ذلك حرفيا بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية إذ انتزعت العبارة من سياقها واستعملت في حملة صورتها باعتبارها دليلا على تهديد إسلامي، مع أن العبارة جاءت في سياق حديثه عن أمله في ألا يستطيع المال وحده شراء الانتخابات. فالجالية العربية في أمريكا عاشت زمنا طويلا وهي تتعامل مع السياسة من باب أزمات الوطن القديم وتريد من الوطن الجديد أن يفعل شيئا بشأنها. فلسطين. لبنان. العراق. الهجرة. التمييز. التأشيرات.
وكان السياسي الأمريكي يأتي إلى ديربورن في موسم الانتخابات، يأكل شيئا شرقيا، يتعلم نطق اسمين عربيين، يقول جملة عن التنوع، ثم يعود إلى أمريكا الكبرى. لكن شيئا تغير. ديربورن لم تعد تريد زيارة من أمريكا. إنها تريد أن تكون جزءا من تعريف أمريكا. وهنا تكمن القيمة التاريخية المحتملة لظاهرة السيد. ليس لأنه سيجعل أمريكا عربية. ولا لأن العرب سيستولون على الحزب الديمقراطي، وهي أوهام لا تصف الواقع. بل لأن جيلا جديدا من الأمريكيين العرب بدأ يتعلم أن القوة السياسية لا تأتي من أن تكون كتلة يتودد إليها الآخرون، وإنما من أن تصبح جزءا من التحالف الذي يحدد ما يتودد الآخرون إليه أصلا.
ولهذا كانت حركة غير ملتزم في 2024 لحظة مهمة. للمرة الأولى لم يقل جزء معتبر من عرب ومسلمي ميشيغان للديمقراطيين فقط نحن غاضبون من غزة. قالوا شيئا أكثر أمريكية في منطقه السياسي لدي أصوات، وسأستخدمها للضغط على حزبي. وهذا انتقال من سياسة الشكوى إلى سياسة القوة. والسيد كان جزءا من تلك اللحظة، ثم أيد هاريس بعد أن أصبحت مرشحة الحزب. واليوم تقف هاريس نفسها معه رغم الخلاف العميق بينه وبين إرث إدارة بايدن-هاريس في غزة. وهذه السياسة حين تنضج فيها الجماعة من كونها جمهورا إلى كونها رقما لا يمكن تجاوزه.
لكن الأعجب أن السيد، لكي ينجح في تمثيل هذه الأقلية، يحتاج إلى ألا يبدو ممثلها وحدها. وهذه هي المعادلة التي فهمها السياسيون الكبار من الأقليات في أمريكا. لا تدخل التاريخ لأنك تقول للبلاد إن جماعتك تستحق مكانا. تدخله حين تستطيع جماعتك أن ترى نفسها فيك، ويرى الآخرون أنفسهم فيك أيضا. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لعبدول السيد ليس عدد الأصوات العربية التي يحصل عليها في ديربورن. تلك هي الأصوات السهلة نسبيا. الاختبار هو الرجل في بلدة صغيرة لا يعرف مصر، ولم يزر مسجدا، وربما لا يتفق معه في غزة، لكنه يسمعه يتحدث عن المستشفى الذي أغلق في منطقته فيقول هذا الرجل يتحدث عني….
دخل الأيرلندي إلى السياسة الأمريكية متهما بأن ولاءه للبابا. ودخل الكاثوليكي وهو مطالب بإثبات أن روما لن تحكم واشنطن. ودخل اليهودي. ودخل الأسود. ودخلت المرأة. وفي كل مرة كانت أمريكا تضع القادم أمام امتحان سخيف وعميق في آن واحد أن أثبت أنك منا. ثم يأتي جيل لا يفهم لماذا كان السؤال مطروحا أصلا. ربما لا نزال بعيدين عن تلك اللحظة بالنسبة للعربي والمسلم الأمريكي. والهجمات على السيد تثبت ذلك. لكن التاريخ لا يتحرك بالقفز دائما. يتحرك بأن يصبح الاسم الذي كان يحتاج بالأمس إلى تفسير، اسما مطبوعا اليوم على بطاقة اقتراع لمجلس الشيوخ. ولهذا لا تكمن قصة عبدول السيد في عبدول السيد وحده. إنها قصة جالية تغير موقعها في الجملة الأمريكية. كانت زمنا مفعولا به في السياسة الأمريكية وتراقب الحرب التي تقررها واشنطن في بلادها. وتراقب قوانين الهجرة. وتراقب خطاب الإرهاب. وتراقب السياسيين وهم يتحدثون عنها. ثم بدأت تتحول إلى فاعل فتصوت. وتعاقب. وتنظم. وتمول. وترشح. وتدخل الحزب لكي تشارك في تحديد ما سيفعله بالبلاد. وما بين المفعول به والفاعل مسافة أجيال.
وقد يكون هذا، في النهاية، أهم ما ينبغي مراقبته في ظاهرة السيد. ليس هل ينتصر في نوفمبر فتلك معركة انتخابية مفتوحة، ولا يصح اختزال معنى الظاهرة في نتيجتها. إنما هل تنجح اللغة التي يمثلها في البقاء؟ هل يستطيع العربي الأمريكي أن يحمل فلسطين من غير أن يحبس نفسه داخل فلسطين؟ هل يستطيع المسلم أن يكون مسلما من غير أن تتحول كل مقابلة معه إلى استفتاء على الإسلام؟ هل يستطيع ابن المهاجر أن يتحدث عن أبيه، ثم ينتقل في الجملة التالية إلى عامل السيارات، وفي الثالثة إلى الممرضة السوداء، وفي الرابعة إلى المزارع الأبيض، فلا تبدو القصص الأربع متجاورة بل قصة أمريكية واحدة؟ إذا حدث ذلك، فلن يكون عبدول السيد قد غير موقع جالية في الحزب الديمقراطي فقط. سيكون قد شارك في شيء أدق وهو تغيير الطريقة التي تتخيل بها الجالية نفسها. فأخطر سجن يمكن أن يسكنه المهاجر ليس الحي الذي تجمع فيه أبناء بلده، بل الفكرة التي تقنعه بأن قضايا الحي هي حدود عالمه السياسي. والسيد يحاول الخروج من هذا السجن من غير أن ينكر الحي الذي جاء منه. لا يخفي اسمه. ولا دينه. ولا موقفه من غزة. لكنه لا يجعلها نهاية الجملة.
في أمريكا هاتف قابل للطي وذكاء اصطناعي قد نصبح فيه الفئران!
كان الإنسان، منذ عرف النار، يخاف السلاح الذي يصنعه عدوه. أما نحن فأول جيل في التاريخ قد يضطر إلى الخوف من السلاح الذي يصنعه ذكاء لا يعرف عدوه.
وهذا فرق صغير في العبارة، هائل في التاريخ. فقد أعلنت شركة Anthropic هذا الأسبوع أنها عطلت محاولات لاستخدام نماذجها في أعمال يمكن أن تتصل بتطوير أسلحة بيولوجية، وأنها رصدت استخدامات أخرى للذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات للأسلحة التقليدية، من الصواريخ والطائرات المسلحة إلى القنابل وأنظمة التوجيه والاستهداف.
والخبر، في ظاهره، مطمئن. لقد اكتشفوا الخطر وأوقفوه. لكن الأخبار هذه لا تكمن دائما فيما تقوله. أحيانا تكمن في الشيء المرعب الذي اضطرها إلى أن تقوله أصلا. فحين تخبرك الشركة التي تصنع واحدا من أذكى النماذج في العالم أنها أصبحت تحتاج إلى حواجز أشد لمنع نموذجها من المساعدة في أبحاث قد تفضي إلى سلاح بيولوجي، فالسؤال ليس عن الحواجز، فمتى بلغنا أصلا زمنا يحتاج فيه العقل الصناعي إلى حارس يمنعه من تعليم الإنسان كيف يكون أشد فتكا؟
كان السلاح قديما يحتاج إلى دولة. ثم صار يحتاج إلى جماعة.وقد نكون داخلين عصرا يحتاج فيه، في بعض أشكاله، إلى رجل وحاسوب. وهذه ليست مبالغة أدبية. تقول Anthropic إن نماذج الأمس كانت أضعف من أن تقدم لمستخدم متقدم مساعدة ذات معنى في الأبحاث البيولوجية الخطرة، ولذلك كانت تستطيع الاطمئنان نسبيا إلى محدودية الخطر. أما نماذج اليوم فقد أصبحت قادرة على المساعدة في مهمات علمية معقدة إلى الحد الذي تقول معه الشركة إنها لم تعد تستطيع أن تقدم الاطمئنان نفسه.
تأمل المسافة التي قطعناها في عام. لم يقل أحد إن الآلة صنعت السلاح. العبارة أخطر من ذلك.. لم نعد واثقين من أنها عاجزة عن المساعدة في صنعه. وهذه هي اللحظة التي ينبغي للعالم الفقير أن يرفع فيها رأسه. فثمة كذبة مريحة نرددها منذ سنوات.. أن ثورة الذكاء الاصطناعي سوف تشمل الجميع.
كما شملتنا الهواتف. وكما وصل الإنترنت إلى القرية. وكما صار الطفل في القاهرة أو نيروبي أو صنعاء يحمل في جيبه الجهاز نفسه الذي يحمله طفل في نيويورك. لكننا نخلط بين استخدام التكنولوجيا وامتلاكها. وهما شيئان مختلفان كما يختلف ركوب الطائرة عن صناعة محركها.
قد تستخدم النموذج. لكن غيرك صنعه. وقد تبني مركز البيانات. لكن غيرك صنع الشريحة. وقد تملك الأرض التي يقوم عليها المركز. لكن غيرك يملك المعمارية التي تمنحه عقله. وقد تدفع ثمن الكهرباء والماء والتبريد والمبنى والكابلات. ثم يبقى المفتاح الحقيقي في مكان آخر. وهنا يبدأ عصر جديد من الاستعمار لا يحتاج إلى جندي. فالزر يكفي.
انظر إلى الشرق الأوسط. تقام مراكز البيانات كأن المنطقة تستعد لاستقبال مصانع المستقبل. مليارات الدولارات. أراض شاسعة. كهرباء. ماء. تبريد. شبكات. مئات الآلاف من الشرائح المتقدمة. السعودية تبني عبر Humain بنية حوسبة هائلة في الرياض والدمام. والإمارات تمضي في مشروع Stargate في أبوظبي. وفي مرحلة من المشروع نتحدث عن مئات الآلاف من شرائح Nvidia. فتبدو الصورة لأول وهلة كأن المستقبل قد وصل أخيرا. لكن افتح الصندوق. من صنع الشريحة؟ من يملك منظومتها البرمجية؟ من يحدد إلى أي دولة تباع؟ من يستطيع أن يمنح الترخيص؟ من يستطيع أن يمنعه؟ من يقرر أي معالج هو متقدم بما يكفي لكي يصبح مسألة أمن قومي؟ ومن يستطيع، بقرار يصدر من مكتب في واشنطن، أن يجعل الحاسوب الذي تحتاجه دولة متاحا أو محظورا؟……
وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن نعود فيه إلى فكرة اللاجدوى irrelevancy. فقد كان الفقر، طوال التاريخ، يعني أن يكون لديك أقل مما لدى غيرك. أما الفقر في العصر المقبل فقد يعني شيئا أشد قسوة أن يصبح العالم قادرا على العمل من دونك. وهذه مرتبة أخرى من الهزيمة. المستعمر القديم كان يحتاج إليك. يحتاج أرضك. وعمالك. وميناءك. وموادك الخام. حتى العبودية، في وحشيتها، كانت اعترافا مشوها بأن المستعبد يحتاج جسد العبد. أما اقتصاد الذكاء الاصطناعي فقد يحمل للمجتمعات المتأخرة مصيرا أشد غرابة.. ألا يستعبدها الأقوى، بل يستغني عنها. في أن تصبح ملايين البشر خارج معادلة الإنتاج الأعلى قيمة. لا يصنعون الشريحة. ولا يدربون النموذج. ولا يملكون مراكز البحث. ولا يكتبون المعايير. ولا يحددون قواعد السلامة. ولا يجلسون إلى الطاولة حين يقرر العالم ما الذي يسمح للآلة أن تعرفه وما الذي يحظر عليها.
ولكن الذين يصبحون خارج دائرة المنفعة لا يصبحون بالضرورة خارج دائرة الخطر. وهنا المأساة. فقد لا يحتاجك المستقبل لكي تصنعه، لكنه قد يحتاج مكانا ليجرب نفسه فيه. وهذه ليست فكرة غريبة على تاريخ الإنسان. الأدوية جربت على الضعفاء. والأسلحة اختبرت في الحروب البعيدة. والقوى الكبرى تعلمت مكافحة التمرد في أجساد شعوب لم تجلس يوما إلى الطاولة التي قررت الحرب. والطائرات المسيرة لم تصبح فكرة سياسية في الكتب.. أصبحت واقعا فوق قرى وأقاليم بعيدة عن المدن التي كتب فيها مهندسوها الشفرة.
فلماذا نفترض أن الذكاء الاصطناعي سيكون أكثر أخلاقا من التاريخ الذي صنعه؟ تخيل العالم بعد عشر سنوات. في كاليفورنيا، يناقش المهندسون حدود النموذج. وفي واشنطن، يقرر المسؤولون من يحصل على الشرائح. وفي مختبر ما، يضع الباحثون القواعد التي تمنع النظام من تطوير سلاح. وفي بلد فقير بعيد، لا يملك أحد من هذه الأشياء، قد يكون إنسان ما واقفا تحت طائرة لا يعرف من اتخذ قرار استهدافها.. الطيار؟ الضابط؟ الخوارزمية النموذج؟ أم سلسلة من القرارات لا يوجد في نهايتها إنسان واحد يستطيع أن يقول أنا فعلت. وهذه قد تكون أقسى صور اللاجدوى. ليس فقط أن تكون خارج المستقبل. بل أن تكون داخله بوصفك موضوعا لا فاعلا. رقما في قاعدة البيانات. وجها في منظومة التعرف. نقطة على شاشة الاستهداف. جسدا في إحصاء. حالة تستخدم لتحسين النموذج القادم.
ولهذا فإن إعلان Anthropic لا ينبغي أن تقرأه الدول الفقيرة بوصفه خبرا عن شركة أمريكية أوقفت خمسة مستخدمين خطرين. ينبغي أن تقرأه كإنذار. لقد بدأنا نقترب من سؤال القوة القديم في ثوب جديد.. من يمتلك المعرفة التي تستطيع أن تتحول إلى قوة؟ ومن يضع الحدود عليها؟ ومن يملك حق استثناء نفسه من تلك الحدود؟ ومن يستطيع أن يمنعها عن غيره؟…..
والمثير أن Anthropic نفسها تؤيد ضوابط صارمة على تصدير الشرائح المتقدمة ومعدات صناعة أشباه الموصلات. وهذا مفهوم من زاوية الأمن القومي الأمريكي. لكن انظر إليه من خارج واشنطن. الشريحة لم تعد سلعة. صارت جواز سفر إلى طبقة معينة من المستقبل. هناك دول تدخل. ودول تدخل بشروط. ودول تقف في الطابور. ودول لا يسمح لها بالاقتراب من الباب. ومن هنا ستنشأ طبقية دولية جديدة لا تقاس فقط بالناتج المحلي ولا بعدد حاملات الطائرات. بل بشيء أبسط.. كم عقلا صناعيا تستطيع تشغيله من غير أن تطلب الإذن من أحد؟
وليس الحل أن ترفض المنطقة مراكز البيانات. العكس هو الصحيح. أن تبنيها. وأن تستثمر أكثر. وأن تدخل السباق بكل ما تستطيع. لكن الخطر أن تخلط بين استضافة المستقبل وصناعته. فليس كل بلد أقيمت فيه محطة قطار قد صنع القطار. وليس كل أرض زرعت فوقها الخوادم قد امتلكت العقل الذي يسكنها. السؤال الحقيقي ليس كم مليار دولار أنفقنا. وإنما كم مهندسا صنعنا؟ كم مختبرا؟ كم نموذجا؟ كم براءة؟ كم شركة تستطيع أن تبقى إذا أغلق الخارج عنها الباب؟ كم جزءا من سلسلة القيمة نملكه نحن؟ وأين بياناتنا؟ ومن يدرب عليها؟ وبأي لغة؟ ولمن تعود المعرفة التي استخرجت منها؟ ومن يستطيع أن يطفئ المفتاح؟
هذه هي السيادة في القرن الحادي والعشرين. أن تستطيع أن تفكر بأدوات لا يستطيع الآخر أن ينتزعها منك حين يختلف معك. أن تملك من المعرفة ما يجعلك شريكا في كتابة القواعد، لا طالب استثناء منها. أن يكون لك مقعد في المختبر الذي يصنع الغد، لا غرفة مكيفة تستضيف أجهزته فقط.
وكان الاستعمار القديم يرسم خريطة العالم بلونين.. بلاد تحكم. وبلاد تحكم. بفتح التاء وضمها. أما الذكاء الاصطناعي فقد يرسمها بثلاثة. بلاد تصنع الذكاء. وبلاد تشتري الذكاء. وبلاد يقع عليها أثر الذكاء. وأخشى ما أخشاه على مجتمعاتنا ألا نكون في الطبقة الثانية. بل الثالثة. أن نشتري قليلا، ونستهلك كثيرا، ونصنع قليلا جدا، ثم نجد أنفسنا في النهاية الميدان الذي تصل إليه آثار قرارات لم نشارك في صنعها. ولهذا لم أتوقف طويلا عند أن Anthropic منعت استخدام نموذجها في بحث قد يقود إلى سلاح. توقفت عند شيء آخر. عند ذلك الإنسان البعيد الذي لا يعرف Anthropic ولا Nvidia، ولا يعرف ما معنى GPU، ولا الفرق بين training وinference، ولا لماذا قررت وزارة التجارة الأمريكية أن تعطي دولة شرائح وتحجبها عن أخرى. ذلك الإنسان قد يكون أكثر البشر تأثرا بكل هذه الكلمات التي لا يعرفها. كما كان الفلاح في القرن التاسع عشر لا يعرف شيئا عن أسعار القطن في لندن، لكنها كانت تستطيع أن تحدد جوع أطفاله. وكما كان رجل في قرية عربية لا يعرف أسماء المصانع التي صنعت الطائرة التي مرت فوق بيته. قد يأتي زمن لا يعرف فيه الإنسان اسم النموذج الذي قرأ صورته، ولا الشركة التي صنعته، ولا البيانات التي علمته، ولا الشريحة التي شغلته. لكنه سيعرف النتيجة. وهذه هي المأساة التي يخفيها بريق الثورة. أن تكون بعيدا جدا عن المكان الذي يصنع فيه القرار، وقريبا جدا من المكان الذي يقع فيه أثره.
لقد خفنا طويلا من أن يأخذ الذكاء الاصطناعي وظائفنا. وربما كان ذلك أصغر مخاوفنا. الخوف الأكبر أن يأخذ منا حق المشاركة في تعريف العالم الذي سنعيش فيه. أن يصبح بعض البشر مؤلفي المستقبل، وبعضهم قراءه، وبعضهم مجرد شخصيات تقع عليها أحداث الكتاب. فالآلة التي تعلمت أن تفكر ليست أخطر ما في الحكاية. الأخطر أن يكون هناك، في الجانب الآخر من الأرض، إنسان يقرر ما الذي يجوز لذلك العقل أن يعرفه، وما الذي يجوز له أن يصنعه، ولمن يجوز أن يباع — بينما نقف نحن، تحت مركز بيانات هائل يضيء ليله بملايين المصابيح، ونحسب أننا امتلكنا المستقبل لأننا دفعنا فاتورة الكهرباء. وقد يكون المستقبل فوق أرضنا حقا. لكن ذلك لا يعني بعد..
أنه لنا.
Mohamed Moawad retweeted
في دالاس تكساس شيء يشبه المآتم، وشيء ثالث لا اسم له بعد. بخمسة آلاف دولار.
الأعلام هي الأعلام، والفيل الجمهوري ما زال في مكانه، واللون الأحمر يملأ القاعة، والرجال يصعدون إلى المنصة ليقولوا إن الحزب ذاهب إلى نصر جديد. ولكن من يعرف تاريخ الحزب الجمهوري، ويعرف الحزب الذي خرج منه أيزنهاور ونيكسون وريغان وبوش الأب، ثم ينظر إلى تلك القاعة طويلا، يشعر أن شيئا انتهى هناك، وأن الذين اجتمعوا لم يكونوا يحتفلون فقط بحزب يستعد لانتخابات نوفمبر، بل كانوا، من حيث لا يشعر بعضهم، يشهدون مراسم دفن حزب قديم وولادة حزب آخر يحمل الاسم نفسه ولا يكاد يحمل الروح نفسها.
فقد كان الحزب الجمهوري، مهما اختلف المرء معه، مؤسسة لها رئيس. أما الذي رأيناه في دالاس فهو رئيس له حزب. وهذه مسافة هائلة في تاريخ الجمهوريات. لأول مرة يعقد الجمهوريون مؤتمرا وطنيا بهذا الحجم خصيصا لانتخابات نصفية. وليس هذا تفصيلا تنظيميا. فالانتخابات النصفية في التقليد الأمريكي انتخابات الكونغرس، يأتي فيها أعضاء مجلس النواب والشيوخ ليطلبوا أصوات ناخبيهم، كل في ولايته ودائرته، على أساس ما فعل وما يعد أن يفعل.
لكن ترمب أراد أن يغير حتى طبيعة اللحظة. قال للناس، في المعنى وفي العبارة.. تصرفوا كأنني أنا على ورقة الاقتراع. وهنا اختصر الرجل التحول كله. فهل ستنتخب ترمب مرة أخرى، ولكن هذه المرة في جسد مئات المرشحين؟ لقد ابتلع الرجل الحزب حتى صار الحزب طريقة أخرى لكتابة اسمه. ومن المفارقات أن بعض المرشحين الجمهوريين الذين يخوضون أصعب السباقات فهموا الخطر، فغابوا عن دالاس. كأن الرجل الذي يحتاجون ناخبيه لكي يفوزوا هو نفسه الرجل الذي يخشون صورته لكي يفوزوا.
وهذه مأساة الحزب الجمهوري في سطر واحد.. لا يستطيع أن يفوز من غير ترمب، ويخشى أن يخسر بسببه.
وكانت القاعة نفسها تقول أشياء لا تقولها الخطب. مقاعد فارغة. وحضور أقل صخبا مما توحي به الأسطورة. ورئيس يقف أمامها ويقول إنها ممتلئة. ومرشحون في دوائر متأرجحة يحسبون المسافة بينهم وبين دالاس كما يحسب البحار المسافة بين قاربه والعاصفة. وفي الخارج أرقام أشد برودة من حماسة المنصة. تأييد الرئيس هبط في استطلاعات حديثة إلى الثلاثينيات. الحرب مع إيران التي كان يفترض أن تؤكد صورة القوة امتدت، وارتفع معها ثمن الطاقة، وصار الناخب الأمريكي يرى آثار الخليج في عداد محطة البنزين القريبة من بيته. التضخم وكلفة المعيشة لم يعودا أرقاما في نشرات الاقتصاد. إنهما ما يتبقى من الراتب يوم الخميس. وثمن الحليب. وفاتورة البطاقة. والبيت الذي صار أبعد. والحياة التي يقال للأمريكي إنها تزدهر في التلفزيون بينما يراها تضيق في حسابه المصرفي. وهكذا دخل ترمب دالاس وفي يده أعقد مشكلة يمكن أن تواجه شعبويا.. أن يكون قد وعد الناس بأن يعيد إليهم الرخاء، ثم يحتاج إلى أن يقنعهم بأن الرخاء موجود وهم لا يشعرون به.
ثم قال لهم.. خمسة آلاف دولار. إذا احتفظ الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ، فسأصدر لكل مواطن أمريكي بالغ عائدا قدره خمسة آلاف دولار. وسماه Trump Dividend. في تلك الخمسة آلاف دولار شيئا أكبر كثيرا من خمسة آلاف دولار. إنها لحظة سياسية تكاد تختصر التحول الذي أصاب الحزب الجمهوري كله. الحزب الذي قضى عقودا يحدث أمريكا عن ضبط الإنفاق، وصغر الحكومة، والمسؤولية المالية، وعجز الموازنة، يقف رئيسه أمام دولة تجاوز دينها أربعين تريليون دولار ليعد البالغين بشيك قد تتجاوز كلفته تريليون دولار إذا أبقوا حزبه في السلطة.
لا أقول إن هذا رشوة انتخابية بالمعنى القانوني فالخبراء الذين ناقشوا المسألة لا يصفونها كذلك ببساطة، كما أن تنفيذها يحتاج إلى الكونغرس وتفاصيل تمويل لم تقدم بعد. لكن السياسة ليست قانونا فقط. إنها معنى أيضا. ومعنى المشهد بالغ الدلالة.. إذا فزنا، يصلك المال.
كأن العلاقة بين المواطن والحزب انتقلت من العقد السياسي إلى إيصال الدفع. كم تساوي نتيجة الانتخابات في حسابك؟ خمسة آلاف دولار. إنها ليست مجرد ورقة نقدية كبيرة وضعها ترمب فوق طاولة نوفمبر. إنها إعلان وفاة لجزء من اللغة الجمهورية القديمة. أين الحزب الذي كان يقول إن الدولة لا تشتري رضا المواطن بماله؟ أين المحافظ الذي كان يرتجف من كلمة عجز الموازنة deficit؟ أين المدرسة التي بنت مجدها السياسي على أن الحكومة الكبيرة هي المشكلة؟ لقد تغيرت الأشياء. لأن الترمبية لم تأت إلى الحزب الجمهوري لكي تعدل برنامجه. جاءت لكي تغير تعريفه للسياسة. لم يعد المحافظ الأمريكي يقول للدولة اتركيني وشأني. صار يقول.. احميني من العالم الذي أخشاه، وأغلق الحدود التي أخشاها، واضرب العدو الذي أخشاه، واحم صناعتي من الصين، وضع الرسوم على الواردات، وأعطني خمسة آلاف دولار، ثم قل لي إن هذا كله حكومة صغيرة…..
Mohamed Moawad retweeted
معلهش حد يشرح لي ؛ ال5000 دولار مش رشوة انتخابية .. ده ناقص يوزع كراتين زيت و رز ر مكرونة
في دالاس تكساس شيء يشبه المآتم، وشيء ثالث لا اسم له بعد. بخمسة آلاف دولار.
الأعلام هي الأعلام، والفيل الجمهوري ما زال في مكانه، واللون الأحمر يملأ القاعة، والرجال يصعدون إلى المنصة ليقولوا إن الحزب ذاهب إلى نصر جديد. ولكن من يعرف تاريخ الحزب الجمهوري، ويعرف الحزب الذي خرج منه أيزنهاور ونيكسون وريغان وبوش الأب، ثم ينظر إلى تلك القاعة طويلا، يشعر أن شيئا انتهى هناك، وأن الذين اجتمعوا لم يكونوا يحتفلون فقط بحزب يستعد لانتخابات نوفمبر، بل كانوا، من حيث لا يشعر بعضهم، يشهدون مراسم دفن حزب قديم وولادة حزب آخر يحمل الاسم نفسه ولا يكاد يحمل الروح نفسها.
فقد كان الحزب الجمهوري، مهما اختلف المرء معه، مؤسسة لها رئيس. أما الذي رأيناه في دالاس فهو رئيس له حزب. وهذه مسافة هائلة في تاريخ الجمهوريات. لأول مرة يعقد الجمهوريون مؤتمرا وطنيا بهذا الحجم خصيصا لانتخابات نصفية. وليس هذا تفصيلا تنظيميا. فالانتخابات النصفية في التقليد الأمريكي انتخابات الكونغرس، يأتي فيها أعضاء مجلس النواب والشيوخ ليطلبوا أصوات ناخبيهم، كل في ولايته ودائرته، على أساس ما فعل وما يعد أن يفعل.
لكن ترمب أراد أن يغير حتى طبيعة اللحظة. قال للناس، في المعنى وفي العبارة.. تصرفوا كأنني أنا على ورقة الاقتراع. وهنا اختصر الرجل التحول كله. فهل ستنتخب ترمب مرة أخرى، ولكن هذه المرة في جسد مئات المرشحين؟ لقد ابتلع الرجل الحزب حتى صار الحزب طريقة أخرى لكتابة اسمه. ومن المفارقات أن بعض المرشحين الجمهوريين الذين يخوضون أصعب السباقات فهموا الخطر، فغابوا عن دالاس. كأن الرجل الذي يحتاجون ناخبيه لكي يفوزوا هو نفسه الرجل الذي يخشون صورته لكي يفوزوا.
وهذه مأساة الحزب الجمهوري في سطر واحد.. لا يستطيع أن يفوز من غير ترمب، ويخشى أن يخسر بسببه.
وكانت القاعة نفسها تقول أشياء لا تقولها الخطب. مقاعد فارغة. وحضور أقل صخبا مما توحي به الأسطورة. ورئيس يقف أمامها ويقول إنها ممتلئة. ومرشحون في دوائر متأرجحة يحسبون المسافة بينهم وبين دالاس كما يحسب البحار المسافة بين قاربه والعاصفة. وفي الخارج أرقام أشد برودة من حماسة المنصة. تأييد الرئيس هبط في استطلاعات حديثة إلى الثلاثينيات. الحرب مع إيران التي كان يفترض أن تؤكد صورة القوة امتدت، وارتفع معها ثمن الطاقة، وصار الناخب الأمريكي يرى آثار الخليج في عداد محطة البنزين القريبة من بيته. التضخم وكلفة المعيشة لم يعودا أرقاما في نشرات الاقتصاد. إنهما ما يتبقى من الراتب يوم الخميس. وثمن الحليب. وفاتورة البطاقة. والبيت الذي صار أبعد. والحياة التي يقال للأمريكي إنها تزدهر في التلفزيون بينما يراها تضيق في حسابه المصرفي. وهكذا دخل ترمب دالاس وفي يده أعقد مشكلة يمكن أن تواجه شعبويا.. أن يكون قد وعد الناس بأن يعيد إليهم الرخاء، ثم يحتاج إلى أن يقنعهم بأن الرخاء موجود وهم لا يشعرون به.
ثم قال لهم.. خمسة آلاف دولار. إذا احتفظ الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ، فسأصدر لكل مواطن أمريكي بالغ عائدا قدره خمسة آلاف دولار. وسماه Trump Dividend. في تلك الخمسة آلاف دولار شيئا أكبر كثيرا من خمسة آلاف دولار. إنها لحظة سياسية تكاد تختصر التحول الذي أصاب الحزب الجمهوري كله. الحزب الذي قضى عقودا يحدث أمريكا عن ضبط الإنفاق، وصغر الحكومة، والمسؤولية المالية، وعجز الموازنة، يقف رئيسه أمام دولة تجاوز دينها أربعين تريليون دولار ليعد البالغين بشيك قد تتجاوز كلفته تريليون دولار إذا أبقوا حزبه في السلطة.
لا أقول إن هذا رشوة انتخابية بالمعنى القانوني فالخبراء الذين ناقشوا المسألة لا يصفونها كذلك ببساطة، كما أن تنفيذها يحتاج إلى الكونغرس وتفاصيل تمويل لم تقدم بعد. لكن السياسة ليست قانونا فقط. إنها معنى أيضا. ومعنى المشهد بالغ الدلالة.. إذا فزنا، يصلك المال.
كأن العلاقة بين المواطن والحزب انتقلت من العقد السياسي إلى إيصال الدفع. كم تساوي نتيجة الانتخابات في حسابك؟ خمسة آلاف دولار. إنها ليست مجرد ورقة نقدية كبيرة وضعها ترمب فوق طاولة نوفمبر. إنها إعلان وفاة لجزء من اللغة الجمهورية القديمة. أين الحزب الذي كان يقول إن الدولة لا تشتري رضا المواطن بماله؟ أين المحافظ الذي كان يرتجف من كلمة عجز الموازنة deficit؟ أين المدرسة التي بنت مجدها السياسي على أن الحكومة الكبيرة هي المشكلة؟ لقد تغيرت الأشياء. لأن الترمبية لم تأت إلى الحزب الجمهوري لكي تعدل برنامجه. جاءت لكي تغير تعريفه للسياسة. لم يعد المحافظ الأمريكي يقول للدولة اتركيني وشأني. صار يقول.. احميني من العالم الذي أخشاه، وأغلق الحدود التي أخشاها، واضرب العدو الذي أخشاه، واحم صناعتي من الصين، وضع الرسوم على الواردات، وأعطني خمسة آلاف دولار، ثم قل لي إن هذا كله حكومة صغيرة…..
في دالاس تكساس شيء يشبه المآتم، وشيء ثالث لا اسم له بعد. بخمسة آلاف دولار.
الأعلام هي الأعلام، والفيل الجمهوري ما زال في مكانه، واللون الأحمر يملأ القاعة، والرجال يصعدون إلى المنصة ليقولوا إن الحزب ذاهب إلى نصر جديد. ولكن من يعرف تاريخ الحزب الجمهوري، ويعرف الحزب الذي خرج منه أيزنهاور ونيكسون وريغان وبوش الأب، ثم ينظر إلى تلك القاعة طويلا، يشعر أن شيئا انتهى هناك، وأن الذين اجتمعوا لم يكونوا يحتفلون فقط بحزب يستعد لانتخابات نوفمبر، بل كانوا، من حيث لا يشعر بعضهم، يشهدون مراسم دفن حزب قديم وولادة حزب آخر يحمل الاسم نفسه ولا يكاد يحمل الروح نفسها.
فقد كان الحزب الجمهوري، مهما اختلف المرء معه، مؤسسة لها رئيس. أما الذي رأيناه في دالاس فهو رئيس له حزب. وهذه مسافة هائلة في تاريخ الجمهوريات. لأول مرة يعقد الجمهوريون مؤتمرا وطنيا بهذا الحجم خصيصا لانتخابات نصفية. وليس هذا تفصيلا تنظيميا. فالانتخابات النصفية في التقليد الأمريكي انتخابات الكونغرس، يأتي فيها أعضاء مجلس النواب والشيوخ ليطلبوا أصوات ناخبيهم، كل في ولايته ودائرته، على أساس ما فعل وما يعد أن يفعل.
لكن ترمب أراد أن يغير حتى طبيعة اللحظة. قال للناس، في المعنى وفي العبارة.. تصرفوا كأنني أنا على ورقة الاقتراع. وهنا اختصر الرجل التحول كله. فهل ستنتخب ترمب مرة أخرى، ولكن هذه المرة في جسد مئات المرشحين؟ لقد ابتلع الرجل الحزب حتى صار الحزب طريقة أخرى لكتابة اسمه. ومن المفارقات أن بعض المرشحين الجمهوريين الذين يخوضون أصعب السباقات فهموا الخطر، فغابوا عن دالاس. كأن الرجل الذي يحتاجون ناخبيه لكي يفوزوا هو نفسه الرجل الذي يخشون صورته لكي يفوزوا.
وهذه مأساة الحزب الجمهوري في سطر واحد.. لا يستطيع أن يفوز من غير ترمب، ويخشى أن يخسر بسببه.
وكانت القاعة نفسها تقول أشياء لا تقولها الخطب. مقاعد فارغة. وحضور أقل صخبا مما توحي به الأسطورة. ورئيس يقف أمامها ويقول إنها ممتلئة. ومرشحون في دوائر متأرجحة يحسبون المسافة بينهم وبين دالاس كما يحسب البحار المسافة بين قاربه والعاصفة. وفي الخارج أرقام أشد برودة من حماسة المنصة. تأييد الرئيس هبط في استطلاعات حديثة إلى الثلاثينيات. الحرب مع إيران التي كان يفترض أن تؤكد صورة القوة امتدت، وارتفع معها ثمن الطاقة، وصار الناخب الأمريكي يرى آثار الخليج في عداد محطة البنزين القريبة من بيته. التضخم وكلفة المعيشة لم يعودا أرقاما في نشرات الاقتصاد. إنهما ما يتبقى من الراتب يوم الخميس. وثمن الحليب. وفاتورة البطاقة. والبيت الذي صار أبعد. والحياة التي يقال للأمريكي إنها تزدهر في التلفزيون بينما يراها تضيق في حسابه المصرفي. وهكذا دخل ترمب دالاس وفي يده أعقد مشكلة يمكن أن تواجه شعبويا.. أن يكون قد وعد الناس بأن يعيد إليهم الرخاء، ثم يحتاج إلى أن يقنعهم بأن الرخاء موجود وهم لا يشعرون به.
ثم قال لهم.. خمسة آلاف دولار. إذا احتفظ الجمهوريون بمجلس النواب ومجلس الشيوخ، فسأصدر لكل مواطن أمريكي بالغ عائدا قدره خمسة آلاف دولار. وسماه Trump Dividend. في تلك الخمسة آلاف دولار شيئا أكبر كثيرا من خمسة آلاف دولار. إنها لحظة سياسية تكاد تختصر التحول الذي أصاب الحزب الجمهوري كله. الحزب الذي قضى عقودا يحدث أمريكا عن ضبط الإنفاق، وصغر الحكومة، والمسؤولية المالية، وعجز الموازنة، يقف رئيسه أمام دولة تجاوز دينها أربعين تريليون دولار ليعد البالغين بشيك قد تتجاوز كلفته تريليون دولار إذا أبقوا حزبه في السلطة.
لا أقول إن هذا رشوة انتخابية بالمعنى القانوني فالخبراء الذين ناقشوا المسألة لا يصفونها كذلك ببساطة، كما أن تنفيذها يحتاج إلى الكونغرس وتفاصيل تمويل لم تقدم بعد. لكن السياسة ليست قانونا فقط. إنها معنى أيضا. ومعنى المشهد بالغ الدلالة.. إذا فزنا، يصلك المال.
كأن العلاقة بين المواطن والحزب انتقلت من العقد السياسي إلى إيصال الدفع. كم تساوي نتيجة الانتخابات في حسابك؟ خمسة آلاف دولار. إنها ليست مجرد ورقة نقدية كبيرة وضعها ترمب فوق طاولة نوفمبر. إنها إعلان وفاة لجزء من اللغة الجمهورية القديمة. أين الحزب الذي كان يقول إن الدولة لا تشتري رضا المواطن بماله؟ أين المحافظ الذي كان يرتجف من كلمة عجز الموازنة deficit؟ أين المدرسة التي بنت مجدها السياسي على أن الحكومة الكبيرة هي المشكلة؟ لقد تغيرت الأشياء. لأن الترمبية لم تأت إلى الحزب الجمهوري لكي تعدل برنامجه. جاءت لكي تغير تعريفه للسياسة. لم يعد المحافظ الأمريكي يقول للدولة اتركيني وشأني. صار يقول.. احميني من العالم الذي أخشاه، وأغلق الحدود التي أخشاها، واضرب العدو الذي أخشاه، واحم صناعتي من الصين، وضع الرسوم على الواردات، وأعطني خمسة آلاف دولار، ثم قل لي إن هذا كله حكومة صغيرة…..
وهذا ليس تناقضا عابرا. إنه ميلاد يمين أمريكي جديد. يمين أقل تعلقا بالسوق الحرة، وأكثر تعلقا بالقومية الاقتصادية. أقل إيمانا بالتجارة الحرة، وأكثر إيمانا بالتعريفة. أقل ثقة بالمؤسسات، وأكثر ثقة بالرجل. أقل انشغالا بحجم الحكومة، وأكثر انشغالا بالسؤال لمن تعمل الحكومة؟
وهنا يظهر جي دي فانس. لأن الخطأ أن نتصور أن ما يحدث سينتهي حين ينتهي ترمب. ترمب الرجل قد يغادر. أما الترمبية فقد بدأت تتعلم كيف تعيش من دونه. فانس يمثل محاولة تحويل الغريزة إلى عقيدة. ترمب يشعر بها. فانس يستطيع أن يشرحها. ترمب يقول إن النظام خانكم. والجيل الجديد يحاول أن يبني نظرية كاملة حول لماذا خانهم النظام، ومن ينبغي أن يحل محله، وما الدولة التي ينبغي أن تخرج من أنقاضه.
ولهذا فإن الحزب الذي سيخرج من نوفمبر، فاز أو خسر، لن يعود بسهولة إلى الحزب الذي دخل فيه ترمب عام 2015. لقد احترق الجسر. لن يعود الحزب ببساطة إلى بوش وتشيني وماكين ورومني. لن تعود التجارة الحرة عقيدة مقدسة. ولا التدخل الخارجي كما كان. ولا العلاقة القديمة بالشركات الكبرى. ولا حتى مفهوم المحافظة نفسه. فقد انتهى الحزب الجمهوري القديم قبل أن يكتب أحد شهادة وفاته. ودالاس لم تقتله. دالاس فقط أقامت له الجنازة.
لكن نوفمبر يحمل شيئا أخطر من مستقبل الحزب. إنه يحمل مستقبل الحكم نفسه في واشنطن. لأن الناخب حين يدخل الصندوق في الثالث من نوفمبر لن يختار فقط من يكتب القوانين. قد يختار أيضا من يفتح الأدراج.
فإذا انتزع الديمقراطيون مجلس النواب، ستنتقل في ظهر اليوم التالي مفاتيح اللجان. وهذه في واشنطن ليست مفاتيح غرف. إنها مفاتيح أسرار. رئيس لجنة الرقابة يستطيع أن يطلب الوثيقة. وأن يستدعي الشاهد. وأن يرسل subpoena. ورئيس اللجنة القضائية يستطيع أن يفتح الملفات التي ظلت مغلقة. ولجنة القوات المسلحة تستطيع أن تسأل عن الحرب. ولجنة الأمن الداخلي تستطيع أن تسأل عما جرى على الحدود وداخل أجهزة الهجرة.
وفجأة ستتحول إدارة اعتادت طوال عامين أن تسأل الآخرين إلى إدارة مطالبة بالإجابة. والديمقراطيون لا ينتظرون يناير لكي يفكروا فيما سيسألون عنه. إنهم يكتبون الأسئلة الآن. هناك ملف حرب إيران.. من قرر؟ وبأي تفويض؟ وماذا كانت التقديرات؟ وماذا قيل للكونغرس؟ وما الذي عرفته الإدارة قبل أن تبدأ العمليات؟ وهناك ملف أعمال عائلة الرئيس. الكريبتو. والصفقات الأجنبية.
وهناك من يتحدث بالفعل عن عزل impeachment لمسؤولين في الإدارة. والبيت الأبيض نفسه لم يعد يتعامل مع هذا باعتباره خيالا ديمقراطيا فمحاموه يستعدون لاحتمال سيل من الاستدعاءات إذا تغيرت الأغلبية.
وسوف يكون الخطأ أن نسمي ما قد يأتي محاكمات فقط. المحكمة تحاكم جريمة. أما الكونغرس فيستطيع أن يحاكم عصرا سياسيا أمام الرأي العام. وهذا أشد خطرا أحيانا. لأن subpoena واحدة تستطيع أن تخرج بريدا إلكترونيا. والبريد يستدعي شاهدا. والشاهد يذكر اجتماعا. والاجتماع يقود إلى وثيقة. والوثيقة تناقض شهادة. والتناقض يصبح جلسة علنية. والجلسة تصبح عنوانا. والعنوان يصبح تحقيقا آخر. وهكذا تعمل واشنطن حين ينفتح السد. ورقة تجر ورقة. واسم يجر اسما. وسؤال صغير يفتح غرفة لم يكن أحد يعرف أن لها بابا.
وسيكون الصدام دستوريا بقدر ما هو سياسي. فالبيت الأبيض يستطيع أن يتمسك بالامتياز التنفيذي. واللجان تستطيع أن تصدر الاستدعاءات. والإدارة تستطيع أن ترفض. والكونغرس يستطيع أن يلجأ إلى المحاكم.
فتدخل السلطة القضائية بين السلطتين. وحينئذ لا نكون أمام خصومة بين ترمب والديمقراطيين فقط. نكون أمام سؤال أمريكي قديم يعود في صورة جديدة إلى أين تصل سلطة الرئيس حين يقرر الكونغرس أن يعرف؟
وهنا قد ينقلب إيقاع الحكم رأسا على عقب. ليس لأن الديمقراطيين، إن فازوا بمجلس واحد، سيحكمون البلاد لن يفعلوا. بل لأنهم يستطيعون أن يجعلوا الحكم نفسه يمضي نصف وقته وهو يدافع عن الطريقة التي حكم بها في النصف الأول. وقد يصبح عام 2027 عاما لا تقاس فيه قوة البيت الأبيض بعدد الأوامر التنفيذية التي يصدرها، بل بعدد الاستدعاءات التي يستطيع مقاومتها. وهذا ما يجعل مؤتمر دالاس مشهدا شديد الغرابة.
كان الجمهوريون واقفين على المنصة يتحدثون عن المستقبل، بينما كان الماضي كله واقفا خلف الستار ينتظر نتيجة نوفمبر. ترمب يقول للناخب خمسة آلاف دولار إذا فزنا. والديمقراطيون يقولون، في مكان آخر: أعطونا الأغلبية وسنفتح الملفات. وكأن أمريكا ذاهبة إلى صندوق الاقتراع تحمل عرضين شديدي الاختلاف.. شيك من جهة، واستدعاء من الجهة الأخرى.
وفي المنتصف يقف المواطن الذي لا يريد هذا ولا ذاك بقدر ما يريد أن يعرف لماذا صار كل شيء أغلى، ولماذا طالت الحرب، ولماذا أصبحت السياسة تدخل بيته كل مساء حتى لم يعد يعرف أين تنتهي الأخبار وتبدأ حياته….
ولذلك أظن أن الثالث من نوفمبر لن يكون انتخابات نصفية بالمعنى المألوف. إنه حد فاصل. إذا فاز الجمهوريون، سيقول ترمب إن الترمبية اجتازت آخر امتحان كبير لها أمام الناخب الأمريكي، وسيزداد الحزب التصاقا بالرجل وبالمدرسة التي صنعها. وسوف يصبح الذين كانوا ينتظرون ما بعد ترمب مضطرين إلى الاعتراف بأن ما بعد ترمب قد يكون ترمبيا أكثر مما تخيلوا.
أما إذا خسر الجمهوريون مجلس النواب، فسيبدأ شيء آخر. سيبدأ الصراع على تفسير الهزيمة. سيقول فريق إن ترمب وحده يستطيع إخراج القاعدة وإن الحزب خسر لأنه لم يكن ترمبيا بما يكفي. وسيقول آخرون إن الرجل الذي ابتلع الحزب بدأ يأكله من الداخل. وسينظر المرشحون الذين غابوا عن دالاس إلى الذين حضروها. وسينظر الذين يريدون 2028 إلى فانس. وسينظر فانس إلى القاعدة. وسوف يبدأ، تحت اسم الحزب الواحد، صراع على ميراث رجل لا يزال جالسا في البيت الأبيض.
ولهذا لم أر في دالاس مؤتمرا عاديا. رأيت حزبا عجوزا يخلع جلده. ورأيت حزبا جديدا لم تكتمل ملامحه بعد يخرج منه. ورأيت رئيسا في الثمانين يطلب من الناس أن يتخيلوه على ورقة اقتراع ليس اسمه عليها. ورأيت مرشحين يحتاجون إلى ظله ويهربون من صورته. ورأيت حزبا كان يتحدث عن عجز الموازنة يعد الناس بأكثر من تريليون دولار. ورأيت دولة تخوض حربا بعيدة، بينما الناخب يحسب ثمن البنزين في الطريق إلى عمله.
ورأيت خلف الأضواء، في مكان لا تصل إليه موسيقى المؤتمر، موظفين ومحامين ومستشارين يستعدون لاحتمال أن تتحول واشنطن بعد أشهر قليلة إلى مصنع هائل للاستدعاءات والتحقيقات. كان الجميع يتحدث عن نوفمبر. لكنني شعرت أنهم يتحدثون عن شيء أكبر من انتخابات. كانوا يتحدثون عن نهاية. والنهايات في السياسة لا تأتي دائما حين يخسر الرجل. وعندها ماذا ستفعل أمريكا بالحزب الذي تركه ترمب لها؟
Mohamed Moawad retweeted
استنزاف للذخائر في إيران وأوكرانيا وقاعدة صناعية صينية ضخمة.. كيف تعيد واشنطن حساباتها قبل أي مواجهة محتملة مع بيجين؟
#شاهد حلقة #من_واشنطن على منصات #الجزيرة الرقمية
aja.ws/yqq73b
Mohamed Moawad retweeted
من القوة العسكرية إلى الحصار الاقتصادي.. هل تملك إدارة ترمب استراتيجية لإجبار إيران على التفاوض؟
#شاهد حلقة #من_واشنطن على منصات #الجزيرة الرقمية
aja.ws/g136e3





