وقّع مذكرة تفاهم، فوجد نفسه مطالَباً بنصف مصنعه.
أنشأ موكلي مصنعاً بماله وحده، وكان قبل ذلك قد وقّع مع أحد معارفه مذكرة تفاهم للدخول معه شريكاً. ثم لم يتم شيء. وبعد أن نجح المصنع وربح، أقام عليه دعوى يطلب إثبات شراكته فيه، ونصيبه من أرباحه. وكان دليله الوحيد مذكرة التفاهم.
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في أمرين:
الأول: أن مذكرة التفاهم تشهد على المدعي لا له. فقد نصت على أن الطرفين «يعتزمان» الدخول في شراكة، وأن عقد الشراكة «يُبرم لاحقاً» بعد الاتفاق على رأس المال ونسبة كل طرف. فهي بنصها تؤجل العقد إلى المستقبل، وتقرّ بأن أهم أركانه لم يُتفق عليها بعد. ومن قدّم ورقة تقول إن العقد لم يُبرم، لا يصح أن يحتج بها على أنه أُبرم.
الثاني: أن هذا هو ما استقرت عليه المبادئ القضائية التجارية، إذ قرر حكم الاستئناف رقم (101/أس/تج3/1) لعام 1433هـ أن مذكرات التفاهم «ليست ملزمة لطرفي الدعوى، ولا يترتب عليها أي عقد ملزم للطرفين»، وأنها «لا ترقى إلى أن تكون عقداً ملزماً وناجزاً في ثبوت الشراكة». ثم إن وقائع الدعوى نفسها تنفي الشراكة: فلم يدفع المدعي ريالاً واحداً من رأس المال، ولم يُقيَّد اسمه في السجل التجاري، ولم يطالب بشيء طوال سنوات الخسارة الأولى، ولم يظهر إلا بعد أن ربح المصنع.
وبفضل الله، حُكم برفض الدعوى.
للتمثيل القضائي وكتابة المذكرات القانونية، تواصل معنا عبر الواتساب من الرابط في البايو.
بُرِّئ من تهمة التحرش، فأقام على موكلتي دعوى بتهمة البلاغ الكيدي.
كانت موكلتي قد أبلغت عن تعرضها للتحرش، فحُكم ببراءة المتهم لعدم كفاية الأدلة. فأقام عليها دعوى يطلب معاقبتها بالمادة (7) من نظام مكافحة جريمة التحرش، التي تعاقب من «قدم بلاغاً كيدياً عن جريمة تحرش، أو ادعى كيداً بتعرضه لها» بعقوبة التحرش نفسها. وكان دليله الوحيد حكم البراءة.
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في أمرين:
الأول: أن النص لم يعاقب كل من لم يثبت بلاغه، بل عاقب من أبلغ «كيداً». والبراءة تعني أن التهمة لم تثبت، ولا تعني أن البلاغ كان كاذباً. ولو كانت كل براءة تجعل المُبلِّغ مداناً، لما بقي لكلمة «كيداً» معنى، ولامتنع كل صادق عن الإبلاغ خوفاً من العجز عن الإثبات.
الثاني: أن هذا هو ما استقرت عليه المبادئ القضائية، إذ قرر المبدأ رقم (2/2/4) وتاريخ 6/1/1431هـ أن «العجز عن إثبات الدعوى لا يلزم منه كذب المدعي، أو كيدية الدعوى، وليس مجرد العجز عن إثبات الدعوى موجباً للتعزير، ما لم تثبت الكيدية فيها». والكيدية لا تثبت إلا بالدليل على أن المُبلِّغ كان يعلم بكذب بلاغه، وقصد الإضرار بمن اتهمه. ولم يقدّم المدعي على ذلك دليلاً، بل دلّت الوقائع على خلافه: فلم تكن بينهما خصومة سابقة، ولم تختلف رواية موكلتي منذ بلاغها الأول، وكان وجودها في المكان والوقت ثابتاً.
وبفضل الله، حُكم بعدم إدانة موكلتي.
للتمثيل القضائي وكتابة المذكرات القانونية، تواصل معنا عبر الواتساب من الرابط في البايو.
هدية بخمسة آلاف ريال قدّمها موظف لمديره، كادت تنتهي بتهمة رشوة تصل عقوبتها إلى السجن عشر سنوات.
صدر قرار بترقية موكلي في الشركة التي يعمل فيها، فأهدى مديره بعد يومين ساعة شكراً له. فتقدم زميل لم تشمله الترقية بشكوى، وقال إن الترقية اشتُريت بالساعة. فأُقيمت على موكلي دعوى جزائية بتهمة الرشوة.
وأُسندت التهمة إلى المادة الأولى من نظام مكافحة الرشوة، التي تعاقب الموظف العام إذا أخذ عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته «ولو كان هذا العمل مشروعاً»، وتعاقب من قدّمها له. وبُني ذلك على أن الشركة مملوكة لمجموعة مساهمة مدرجة في السوق، والفقرة الرابعة من المادة الثامنة تجعل «كل من يعمل لدى الشركات المساهمة» في حكم الموظف العام.
وهذا الاستناد لو صح، لكانت الإدانة شبه محسومة. فالمادة الأولى لا تسأل هل كانت الترقية مستحقة أم لا، والمادة الثالثة تجرّم حتى الهدية التي تأتي بعد العمل، ولو لم يسبقها اتفاق.
فكانت القضية كلها معلقة على صفة المدير الذي تلقى الهدية: فإن كان في حكم الموظف العام، انطبقت المادة الأولى على موكلي، وإن لم يكن، سقطت عنه.
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في ثلاثة أمور:
الأول: أن الفقرة الرابعة جعلت المعيار نوع الشركة التي يعمل لديها الموظف، فقالت: «كل من يعمل لدى الشركات المساهمة». والشركة التي يعمل لديها موكلي ومديره، والتي أصدرت قرار الترقية وتصرف رواتبهما، شركة ذات مسؤولية محدودة، وهذا ثابت في سجلها التجاري. أما المجموعة المساهمة، فهي مالكة لحصص هذه الشركة، وليست صاحبة العمل. والشركة التابعة شخص مستقل عن الشركة التي تملكها، لها سجلها وذمتها وموظفوها. ولو كان تملك شركة مساهمة لحصص شركة أخرى ينقل إليها وصف المساهمة، لصار كل موظف في أي شركة تملك فيها شركة مساهمة حصة، ولو صغيرة، في حكم الموظف العام. وهذا توسع لا يحتمله النص. فالمدير ليس في حكم الموظف العام، ولا تنطبق المادتان الأولى والثالثة.
الثاني: أن النص الذي يحكم هذه الواقعة هو المادة التاسعة مكرر (1) الخاصة بالقطاع الخاص، وهي لا تجرّم كل عطية، وإنما العطية التي تُقدَّم «لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن أداء عمل من أعمال وظيفته، مما يشكل إخلالاً بواجباته الوظيفية». والترقية لم يقررها المدير وحده، بل قررتها لجنة بناءً على تقييم الأداء السنوي، وكان موكلي الأعلى تقييماً في قسمه. فالترقية كانت استحقاقاً، ولا إخلال فيها بأي واجب.
الثالث: أن المنظم فرّق بين القطاعين عن قصد. فحين أراد أن يجرّم الهدية اللاحقة للعمل دون اتفاق سابق، نص على ذلك في المادة الثالثة، وخصّها بالموظف العام. ولما وضع نص القطاع الخاص، لم ينقل إليه هذا الحكم، بل اشترط الإخلال بالواجب. فالشدة في القطاع العام مقصودة، والتقييد في القطاع الخاص مقصود. والساعة جاءت بعد قرار الترقية، ولم يسبقها وعد، ولم يكن في الترقية إخلال.
ولم أقل إن إهداء المدير تصرف حكيم، وإنما بيّنت أن التهمة أُسندت إلى نص لا ينطبق، وأن النص الذي ينطبق لم تكتمل أركانه.
وبفضل الله، حُكم بعدم إدانة موكلي.
تعاقد مستثمر مع مكتب هندسي يملكه موكلي على تصميم مجمع تجاري، وإعداد مخططاته المعمارية، ومتابعة إجراءات ترخيصه، مقابل
مقابل (80,000) ريال. وبعد التوقيع والدفع، كتب له في واتساب: «لا تشيل هم، أعرف ناس في البلدية، والرخصة بتطلع».
ثم تأخرت الرخصة، فغضب المستثمر، وقدّم الرسالة إلى النيابة، فاتُّهم موكلي باستغلال النفوذ، بموجب المادة الخامسة من نظام مكافحة الرشوة، التي نصت على أن: «كل شخص طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعداً أو عطية لاستعمال نفوذ حقيقي أو مزعوم للحصول أو لمحاولة الحصول من أية سلطة عامة على عمل أو أمر أو قرار أو التزام أو ترخيص... يعد مرتشياً».
وكان أول ما خطر لي أن أقول: موكلي لم يستعمل أي نفوذ، والرخصة صدرت عبر المنصة بالإجراءات المعتادة. لكنني تركت هذا الدفاع، لأن النص سدّه بكلمتين: «مزعوم» و«لمحاولة». فالجريمة تقوم ولو كان النفوذ كذباً، ولو لم يُستعمل، ولو لم يتحقق شيء. وموكلي ادّعى النفوذ برسالته.
فكان لا بد من طريق آخر، فوجدته في كلمتين أخريين من النص نفسه: «عطية» و«لاستعمال».
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في ثلاثة أمور:
الأول: أن النص لم يجرّم أخذ المال، وإنما جرّم أخذ «عطية». والعطية في هذا الباب مال لا مقابل مشروعاً له، يُدفع ثمناً للنفوذ. أما ما يُدفع مقابل عمل مشروع، فهو أجر لا عطية. والعقد الموقّع بين الطرفين يفصّل الأعمال المتفق عليها: إعداد المخططات المعمارية، وتقرير التربة، والرفع على المنصة، ومتابعة الملاحظات الفنية. وكلها أعمال نفذها المكتب، وأوراقها في الملف.
الثاني: أن النص قال: «عطية لاستعمال نفوذ». واللام هنا لام الغاية، ومعناها أن النفوذ هو الشيء الذي دُفع المال من أجله. فلا يكفي أن يدّعي الشخص النفوذ، بل يجب أن يكون هذا الادعاء هو ثمن المال. والمبلغ في قضيتنا حُدّد في عقد مكتوب قبل الرسالة، وهو مطابق لأتعاب المكاتب الهندسية في مشروع بهذا الحجم. فالمال لم يُدفع ثمناً لنفوذ، وإنما ثمناً لعمل هندسي.
الثالث: أن النيابة أمام أحد أمرين: فإن كان المبلغ مقابل نفوذ، فلماذا يفصّل العقد أعمالاً هندسية نُفذت كلها، ولماذا جاء المبلغ مطابقاً لسعر السوق لا زائداً عليه؟ وإن كان مقابل هذه الأعمال، فالرسالة اللاحقة كلام قاله صاحب مكتب ليطمئن عميله، لا الشيء الذي قبض المال من أجله. وعلى الوجهين لا تكون هناك عطية لاستعمال نفوذ.
ولم أدّعِ أن عبارة موكلي كانت حكيمة. فلو قالها قبل أن يُتفق على المبلغ، ولو جاء المبلغ أعلى من أتعاب مثله، لتغير الحكم. لكن النص لا يعاقب على ادعاء النفوذ وحده، وإنما على قبض المال ثمناً له.
وبفضل الله، حُكم بعدم إدانة موكلي.
مقاول يبني فيلا بعقد قيمته الإجمالية مليون ريال. وفي منتصف العمل اتصل به المالك وقال: «أضف غرفة فوق السطح». فبناها المقاول، وكلفته (80,000) ريال. ولما طالب بقيمتها، رفض المالك. فرفع المقاول دعوى، فخسرها.
والسبب في كلمة واحدة لم يقلها.
فالمادة (471) من نظام المعاملات المدنية نظمت عقد المقاولة الذي يُتفق فيه على تصميم محدد وأجر إجمالي، ووضعت فيه ثلاث قواعد يجهلها كثير من المقاولين والملاك:
القاعدة الأولى: الأجر الإجمالي لا يزيد بارتفاع الأسعار.
فلو ارتفعت أسعار الحديد والإسمنت، أو أجور العمال، أو أي نفقات أخرى، فليس للمقاول أن يطالب بزيادة على الأجر المتفق عليه. فهو حين قبل أجراً إجمالياً، قبل معه مخاطر تقلب الأسعار.
القاعدة الثانية: إذن المالك بالإضافة وحده لا يكفي.
وهنا موضع الخطأ في مثالنا. فالنظام لا يعطي المقاول زيادة في الأجر عن أي تعديل أو إضافة في التصميم، إلا في حالتين: أن تكون الإضافة بسبب خطأ من المالك، أو أن يأذن بها المالك ويتفق مع المقاول على الزيادة في الأجر. فلا يكفي أن يأذن المالك بالغرفة، بل لا بد أن يتفقا على قيمتها. فإن أذن ولم يتفقا على المبلغ، فليس للمقاول أن يطالب بشيء.
فالمقاول في مثالنا أخذ الإذن، لكنه لم يقل: «وكم ستدفع مقابلها؟».
القاعدة الثالثة: خطأ المالك يفتح باب الزيادة.
فلو أعطى المالك المقاول مقاسات خاطئة، ثم احتاج المقاول إلى هدم جزء وإعادة بنائه، فهنا يجوز للمقاول أن يطالب بزيادة الأجر، لأن الزيادة سببها خطأ المالك، لا تغيير رغبته.
والخلاصة للمقاول: أي إضافة يطلبها المالك أثناء العمل، لا تبدأ فيها حتى تتفقا على قيمتها، ولو برسالة مكتوبة. فالإذن بالعمل شيء، والاتفاق على الأجر شيء آخر.
والخلاصة للمالك: إذا طلبت إضافة ولم تتفق على سعرها، فلا تفرح كثيراً. فالنظام يحميك من مطالبة المقاول، لكن المقاول الذي تعلّم الدرس سيكتب السعر في المرة القادمة قبل أن يضع أول حجر.
توفي رجل عن أربعة أبناء. فجاء شخص يدّعي أن له في ذمة المتوفى (400,000) ريال، ويطالب الورثة بسدادها من التركة، ولم يكن معه دليل. فأقرّ أحد الأبناء بالدين، وأنكره الثلاثة الباقون.
وفي هذه الواقعة مسألتان دقيقتان:
المسألة الأولى: إقرار أحد الورثة لا يلزم إخوته.
فالإقرار، كما نصت المادة (17) من نظام الإثبات، حجة قاصرة على المُقِر، أي لا يُلزم إلا من صدر منه. ولذلك لا يسري إقرار أحد الورثة على بقيتهم، كما لا يُلزم إقرار الشريك بقية الشركاء، ولا إقرار المالك على الشيوع بقية الملاك إلا في حدود نصيبه.
والسبب أن المُقِر يملك أن يتصرف في حقه، ولا يملك أن يتصرف في حق غيره. فلو جاز لوارث واحد أن يُلزم إخوته بإقراره، لاستطاع أن يُخرج من التركة ما شاء بكلمة منه.
فيُلزَم الابن المُقِر وحده في حدود نصيبه من التركة، ويبقى المدعي مطالباً بإثبات دعواه في مواجهة الثلاثة الآخرين.
المسألة الثانية: بعد شهر، وجد الابن المُقِر في أوراق والده سنداً يثبت أن الدين سُدد قبل الوفاة.
والقاعدة أن من أقر لا يملك أن يرجع عن إقراره (المادة 18). لكن النظام فرّق بين الرجوع عن الإقرار وطلب إبطاله.
فالرجوع أن يقول المُقِر: «غيّرت رأيي». وهذا لا يُقبل منه.
أما الإبطال فأن يقول: «أقررت عن غلط، ولم أكن أعلم الحقيقة». وهذا يُقبل إذا أثبته، لأن الإقرار الذي قام على غلط لم يصدر عن إرادة سليمة.
والخلاصة لكل وارث: لا تقرّ بدين على مورّثك قبل أن تراجع أوراقه. فإقرارك يلزمك وحدك، ولا يُقبل رجوعك عنه، ولن يُبطَل إلا إذا أثبتّ أنه قام على غلط.
رفضت محكمة الدرجة الأولى دعوى موكلي، وهو مورد مواد تغليف، كان يطالب مصنعاً بمبلغ (185,000) ريال، قيمةِ شحنة
وقد جرى التعامل بينهما ثلاث سنوات على نحو واحد: يرسل موكلي إلى المصنع في آخر كل شهر عرضاً بكمية الشهر التالي وسعرها، فلا يرد المصنع، فيورّد موكلي الشحنة، ثم يسدد المصنع قيمتها. وتكرر ذلك أكثر من ثلاثين مرة.
ثم أرسل موكلي عرضه المعتاد، فلم يرد المصنع، فورّد موكلي الشحنة، واستلمها المصنع في مستودعه، وأبقاها شهرين دون اعتراض. فلما طالبه موكلي بالثمن، ردّ المصنع بأنه لم يطلب الشحنة ولم يقبل العرض، لأنه كان قد تعاقد مع مورد آخر.
فرفضت المحكمة الدعوى، معلّلةً حكمها بأن العقد لا ينعقد إلا بإيجاب وقبول، وأن المصنع لم يقبل العرض، ومستندةً إلى القاعدة الفقهية: «لا يُنسب إلى ساكت قول».
فكتبت مذكرة اعتراضية تمثلت في ثلاثة أمور:
الأول: أن الحكم أخذ بصدر القاعدة وأغفل تمامها. فالقاعدة كما نصت عليها المادة (720) من نظام المعاملات المدنية: «لا يُنسب إلى ساكت قول، لكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان». وسكوت المصنع لم يكن سكوتاً مجرداً؛ إذ سكت قبل ذلك عن أكثر من ثلاثين عرضاً، وكان كل سكوت يعقبه توريد ثم سداد. فالمصنع يعلم أن موكلي يفهم من سكوته القبول، فإن أراد الرفض لزمه أن يصرّح به، وسكوته في هذا الموضع بيان.
الثاني: أن المادة (37) من نظام المعاملات المدنية عدّت السكوت قبولاً إذا كان بين المتعاقدين تعامل سابق واتصل الإيجاب به. وقد استقر التعامل بين الطرفين ثلاث سنوات على أن عدم الرد على العرض قبولٌ له، فصار ذلك طريق القبول بينهما. ومن أراد إنهاء تعامل استقر على هذا النحو، فعليه أن يعلن إنهاءه، لا أن يسكت ويدع شريكه يورّد على ما اعتاده.
الثالث: أن المصنع بين أمرين لا ثالث لهما: فإن كان قد رفض العرض، فلماذا استلم الشحنة وأبقاها في مستودعه شهرين دون أن يردّها أو يعترض عليها؟ وإن كان قد قبله، فالثمن لازم له. وعلى الوجهين لا يسوغ له أن يحتفظ بالبضاعة ويمتنع عن أداء ثمنها.
وبفضل الله نُقض الحكم، وأُلزم المصنع بالثمن كاملاً.
«الدفاعُ عن العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن واجبٌ على كل مواطن.»
المادة (34) من النظام الأساسي للحكم
لم يجعل المنظِّم الدفاعَ عن الوطن خياراً متروكاً لرغبة الفرد، ولا فضيلةً يتسابق إليها المتطوعون وحدهم، بل جعله واجباً نظامياً على كل مواطن. وقرنه بالدفاع عن العقيدة والمجتمع، لأن الوطن هو الحصن الذي تُحفظ فيه العقيدة ويأمن فيه المجتمع.
وفي ظل ما تتعرض له المملكة اليوم، يتسع معنى هذه المادة ليشمل كل ميدان:
▪️ الجندي على الحد يدافع بسلاحه.
▪️ والمواطن في بيته يدافع بوعيه. فلا ينقل شائعة، ولا يصدّق خبراً مجهول المصدر، ولا يجعل هاتفه منبراً لعدوه.
▪️ والكاتب والمتحدث يدافع بالكلمة الصادقة والحجة الرصينة.
▪️ والجميع يدافع بالالتفاف حول قيادته، والثقة بمؤسسات دولته، والرجوع إلى مصادرها الرسمية.
إن أخطر ما يُراد بالأوطان أن تُشقّ صفوفها من الداخل، وأن يُزرع الشك بين الشعب وقيادته. وقد خابت هذه المساعي على هذه الأرض من قبل، وستخيب اليوم. فالبيعة في أعناقنا عهدٌ لا يتغير بتغير الظروف، والولاء عندنا عقيدةٌ لا شعار.
اللهم احفظ بلادنا، وخادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين، وجنودنا المرابطين على الثغور.
#المادة_الرابعة_والثلاثون
#دافعوا_عن_وطنكم_وقيادتكم
في إحدى القضايا، كنت وكيلاً عن مقاول يطالب مالك عمارة بـ(180,000) ريال، وهي المبلغ المتبقي من قيمة عقد تشطيب.
وفي أول جلسة، قدم المالك مذكرة جوابية لم ينكر فيها العقد. وإنما قال إن المقاول لم ينفذ بعض البنود المذكورة في البند الرابع من العقد، وإن في الأعمال عيوباً تستوجب الخصم بحسب البند السابع، وطلب ندب خبير لحساب ما يستحقه المقاول.
فنُدب الخبير، وجاء تقريره في صالح موكلي. فلما رأى المالك التقرير، غيّر وكيله، وقدم مذكرة جديدة يقول فيها إن التوقيع الذي على العقد ليس توقيعه، وطلب إحالة العقد إلى الأدلة الجنائية لفحص التوقيع.
وكان هذا الطلب كفيلاً بأن يؤخر القضية أشهراً.
لكنني لما رجعت إلى مذكرة المالك الأولى، وجدت أنه أغلق هذا الباب على نفسه قبل أن يفتحه.
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في ثلاثة أمور:
الأول: أن المادة (29) من نظام الإثبات أوجبت على من يُحتج عليه بمحرر عادي أن ينكره إنكاراً صريحاً، ولم تقبل الإنكار ممن ناقش موضوع المحرر. والمالك لم ينكر العقد في مذكرته الأولى، بل ناقش بنوده، واحتج بالبند الرابع والبند السابع، وبنى عليهما طلب الخصم. فمن ناقش العقد واحتج ببنوده لا يملك بعد ذلك أن ينكر توقيعه.
الثاني: أن مذكرة المالك الأولى نفسها إقرار منه بالعقد. فالإقرار، كما تقرر المادة (16) من نظام الإثبات، قد يكون صريحاً، وقد يكون ضمنياً، ويصح أن يرد في المذكرات المقدمة إلى المحكمة. ومن يطلب الخصم من قيمة عقد بحسب بنوده، فقد أقر ضمناً بأنه طرف في هذا العقد. والإقرار أمام المحكمة حجة قاطعة على صاحبه، ولا يُقبل رجوعه عنه (المادتان 17 و18).
الثالث: أن المالك أمام أحد أمرين. فإن كان العقد عقده، فلا وجه لطلب فحص التوقيع. وإن لم يكن عقده، فعلى أي أساس طلب الخصم من قيمته بحسب البند السابع؟ وكيف يحتج ببنود عقد يقول إنه لم يوقّعه؟ وعلى الوجهين يكون طلب الفحص غير منتج في الدعوى.
وبفضل الله، رفضت المحكمة طلب الإحالة إلى الأدلة الجنائية، وحكمت لموكلي بالمبلغ كاملاً.
تتهم كثير من الشركات موظفيها بخيانة الأمانة في كل مال يبقى عند الموظف.
وقد تأملت المادة التي تقوم عليها هذه التهمة، فوجدت أنها لا تنطبق إلا إذا اجتمعت فيها ثلاث كلمات. فإذا سقطت واحدة منها، سقطت التهمة، فالمادة (2) من نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة تعاقب من «استولى دون وجه حق على مال سُلِّم إليه بحكم عمله أو على سبيل الأمانة».
الكلمة الأولى: «سُلِّم إليه».
الجريمة تبدأ بأن يُسلَّم المال للشخص برضا صاحبه. فإذا لم يُسلَّم إليه، فليست خيانة أمانة، ولو أخذه. ومثال ذلك: موظف في قسم المبيعات فتح خزنة المحاسبة وأخذ منها مبلغاً، والخزنة ليست من عمله ولم يُسلَّم إليه مفتاحها. فهذا قد يُسأل عن جريمة أخرى، لكنه لا يُسأل عن خيانة الأمانة، لأن المال لم يُسلَّم إليه أصلاً. وتغيّر وصف التهمة ليس أمراً شكلياً، لأن لكل جريمة أركانها وأدلتها وآثرها.
الكلمة الثانية: «استولى».
الاستيلاء معناه أن يتصرف الشخص في المال كأنه مالكه، بنية ألا يرده. أما مجرد التأخر في التوريد فلا يساوي الاستيلاء. ومثال ذلك: مندوب حصّل مبلغاً يوم الخميس، وكان المفترض أن يورّده في اليوم نفسه، فلم يورّده إلا يوم الأحد. فقد يكون هذا مخالفة لتعليمات العمل، لكنه لا يكون جريمة، ما دام المال قد رُدّ ولم يظهر من الموظف أنه أراد تملكه.
الكلمة الثالثة: «دون وجه حق».
فإذا احتفظ الموظف بالمال لأنه يرى أن له حقاً فيه، كأن يحبس جزءاً من المبالغ المحصّلة مقابل رواتب متأخرة له، ويُعلم الشركة بذلك، فهو هنا لا يخفي المال ولا يجحده، وإنما ينازع في حق يراه لنفسه. وقد يكون مخطئاً في ذلك، لكن الخطأ في تقدير الحق يُفصل فيه بدعوى مالية بين الطرفين، ولا يكفي وحده لقيام الجريمة.
فالمادة إذن لا تعاقب كل من بقي عنده مال لغيره. وإنما تعاقب من سُلِّم إليه المال، فتملّكه، وليس له فيه حق. وقراءة النص كلمة كلمة هي ما يفرق بين قضية جنائية ونزاع مالي.
تشاجر شخصان في موقف سيارات. فذهب أحدهما إلى المستشفى بعد يومين، وأخذ تقريراً طبياً فيه كدمات في الوجه والكتف، ثم تقدّم بشكوى يتهم فيها الآخر بالاعتداء عليه. وأنكر الآخر أنه ضربه، وقال إن الشجار كان كلاماً فقط. ولم يكن هناك شاهد ولا تصوير.
كثير من الناس يظن أن صاحب التقرير الطبي كسب القضية، لأن معه ورقة رسمية تثبت الإصابة. والصحيح أن التقرير يثبت شيئاً واحداً، ولا يثبت شيئاً آخر.
فالتقرير الطبي يثبت أن في جسم الشخص إصابة، ويبيّن نوعها ووصفها. لكنه لا يثبت من الذي أحدثها، ولا متى أُحدثت بالتحديد، ولا في أي ظرف. فالطبيب يصف ما يراه أمامه، ولم يكن حاضراً في موقف السيارات.
ولهذا تقرر في المبادئ القضائية أن التقرير الطبي قرينة، لا دليل قاطع (المبدأ رقم 1839). والقرينة تقوّي الدعوى، لكنها لا تكفي وحدها للإدانة.
ويزيد الأمر ضعفاً إذا تأخر التقرير. فمن راجع المستشفى بعد يومين من الشجار، فقد مرّ عليه وقت كان يمكن أن يُصاب فيه بسبب آخر: سقوط، أو حادث، أو شجار مع غير خصمه. والقاعدة الفقهية تقول: «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته». أي أن الحادث يُنسب إلى أقرب وقت يمكن أن يكون وقع فيه، لا إلى وقت أبعد، إلا بدليل. فكلما طالت المدة بين الشجار والتقرير، ضعفت نسبة الإصابة إلى الشجار.
أما إذا اجتمع التقرير مع دليل آخر، كشاهد رأى الضرب، أو تصوير، أو اعتراف المتهم، فإن التقرير يقوّي هذا الدليل، وتقوم بهما الإدانة.
والخلاصة: التقرير الطبي يجيب عن سؤال «هل توجد إصابة؟»، ولا يجيب عن سؤال «من الذي أحدثها؟». ولذلك فإن من يدافع عن متهم في قضية اعتداء لا ينازع عادة في وجود الإصابة، وإنما ينازع في نسبتها إلى موكله.
رفع شخص دعوى يطالب آخر بخمسين ألف ريال، ولم يكن معه أي دليل: لا عقد، ولا تحويل بنكي، ولا شهود. وكانت الدعوى في طريقها إلى الرفض.
فحضر المدعى عليه، وقال أمام القاضي: «هذا المبلغ سددته له من زمان».
وبهذه الجملة وحدها خسر الدعوى.
والسبب أن نظام الإثبات في المادة (16) جعل الإقرار نوعين: صريحاً، كأن يقول الشخص «نعم، في ذمتي له خمسون ألفاً»، وضمنياً يُفهم من كلامه دون أن يصرّح به. ومن قال «سددت الدين» فقد أقر ضمناً بأن الدين كان موجوداً، لأن الإنسان لا يسدد شيئاً لم يكن عليه.
فانقلبت الدعوى كلها:
قبل هذه الجملة، كان المدعي هو المطالَب بإثبات الدين، ولا دليل معه.
وبعدها، ثبت الدين بإقرار المدعى عليه نفسه، وصار هو المطالَب بإثبات أنه سدد. فإن لم يكن معه ما يثبت السداد، حُكم عليه بالمبلغ، ولم يبقَ له إلا أن يطلب توجيه اليمين إلى المدعي على أنه لم يستلم حقه.
ولا يستطيع بعد ذلك أن يتراجع ويقول: «أخطأت في التعبير، والصحيح أني لم أستلف منه أصلاً»؛ لأن الإقرار أمام المحكمة حجة قاطعة على صاحبه، ولا يُقبل الرجوع عنه (المادتان 17 و18 من نظام الإثبات)
مقاول أخذ أغلب قيمة الملحق، ثم ترك العمل قبل أن يكمله، وعاد يطالب صاحب البيت بالدفعة الأخيرة، ويهدده بالشكوى إن لم يدفع.
صاحب البيت أمام خيارين في ظنه: أن يدفع ثم يرفع دعوى يطالب فيها بإكمال العمل، أو أن يمتنع فيُتهم بالمماطلة.
والصحيح أن له خياراً ثالثاً أقوى منهما، يسميه نظام المعاملات المدنية «حق الحبس».
ومعناه أن من التزم لغيره بشيء، له أن يمتنع عن الوفاء به ما دام هذا الغير لم يفِ بالتزام عليه، نشأ بسبب الالتزام نفسه ومرتبط به. وهذا ما قررته المادة (191) من النظام.
فالدفعة الأخيرة مقابل إكمال العمل، فإذا لم يكتمل العمل جاز لصاحب البيت أن يحبس الدفعة حتى يكتمل. ولا يُعدّ امتناعه مماطلة، وإنما استعمالاً لحق قرره النظام.
والحق نفسه يثبت للطرف الآخر في الصورة المقابلة:
فالورشة التي أصلحت سيارتك ولم تدفع أجرتها، لها أن تمتنع عن تسليمك السيارة حتى تدفع، ولا تُعدّ بذلك محتجزة لمالك دون حق.
إلا أن لهذا الحق شرطاً لا يصح بدونه:
أن يكون الالتزامان ناشئين عن سبب واحد ومرتبطين به. فلا يجوز لصاحب البيت أن يحبس دفعة المقاول بسبب خلاف بينهما في عقد آخر، ولا يجوز للورشة أن تحبس السيارة بسبب دين قديم لها عليك في معاملة سابقة.
فإذا أخلّ من تعاملت معه بما عليه، فلا تستعجل في الدفع ثم المطالبة؛ فقد يكون امتناعك عن الوفاء هو أقوى ورقة بيدك.
في إحدى القضايا اتُّهم موكلي بغسل الأموال.
كان موكلي يملك مكتباً لتأجير السيارات، وأكثر تعامله بالنقد. وخلال سنة أودع في حسابه قرابة تسعمائة ألف ريال نقداً، ثم اشترى بها أرضاً. فرفع البنك بلاغاً بأن الإيداعات لا تتناسب مع دخله المسجل، فوجّهت النيابة العامة إليه تهمة غسل الأموال، وبنت دعواها على أمر واحد: أن مصدر المال غير معلوم، وأن موكلي عجز عن إثبات مصدر كل ريال منه.
وهذا صحيح؛ فدفاتر المكتب لتلك السنة ناقصة، ولا يستطيع موكلي أن يقدّم فاتورة لكل إيداع.
فلم أحاول أن أثبت مصدر كل ريال، فهذا طريق خاسر. وإنما سألت: على من يقع عبء الإثبات أصلاً؟
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في ثلاثة أمور:
١- أن جريمة غسل الأموال لا تقوم إلا بأمرين معاً: أن يكون المال متحصلاً من نشاط غير مشروع، وأن يتعامل فيه المتهم بإيداع أو تحويل أو شراء وهو يعلم بذلك، ليُخفي حقيقة مصدره. وهي جريمة مستقلة عن الجريمة الأصلية، فلا يُشترط لقيامها أن يُدان المتهم بجريمة سابقة، إلا أن هذا الاستقلال يُعفي النيابة من إثبات جريمة بعينها، ولا يُعفيها من إثبات أن المال غير مشروع.
٢- أن المحكمة العليا قررت في قرارها رقم (31/2/1) وتاريخ 22/11/1435هـ أن «المال المضبوط بحوزة المدعى عليه إذا لم تقم بينة على أنه مكتسب خلافاً للشرع أو النظام، فلا ينطبق عليه نظام مكافحة غسل الأموال». فعبء إثبات عدم المشروعية على النيابة، لا على موكلي أن يثبت المشروعية.
٣- أن النيابة لم تقدّم على عدم المشروعية إلا قرينة واحدة: أن المال لا يتناسب مع دخل موكلي. وهذه القرينة تقابلها قرينة أقوى منها؛ فكشف حساب المكتب للسنة التي قبلها يُظهر إيداعات من نشاط التأجير بلغت ثمانمائة ألف ريال، فما أُودع في سنة الاتهام قريب مما اعتاده المكتب، لا غريب عنه. وغير المعلوم مصدره تفصيلاً ليس غير مشروع، وعجز موكلي عن تنظيم دفاتره مخالفة محاسبية، لا جريمة غسل.
وبفضل الله حُكم بعدم إدانة موكلي بغسل الأموال.
متى يُعدّ السكوت قبولاً؟
قاعدة «السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان»
الأصل في نظام المعاملات المدنية أن السكوت لا يُعدّ كلاماً؛ فمن سكت لا يُنسب إليه أنه وافق، ولا أنه أقرّ، ولا أنه قَبِل التزاماً. وهذا ما قررته القاعدة الكلية: «لا يُنسب إلى ساكتٍ قول».
إلا أن القاعدة لم تقف عند هذا الحد، بل استثنت منه حالةً فقالت: «لكنّ السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان».
ومعنى ذلك أن ثمة مواقف يُنتظر فيها من الإنسان أن يتكلم، فإذا سكت فيها عُدّ سكوته جواباً. والضابط في ذلك أن يكون الموقف مما يستدعي الاعتراض لو لم يكن الساكت موافقاً.
ومن أمثلة ذلك:
١. أن ينتهي عقد الإيجار ويبقى المستأجر في الشقة، والمؤجر يعلم بذلك ولا يعترض. فيُعدّ العقد قد تجدد بشروطه السابقة، ولا يملك المؤجر بعد ذلك أن يقول: لم أوافق على بقائه.
٢. وأن تصلك في الواتساب رسالة ممن تتعامل معه، يقول فيها: «باقي لي عندك أربعون ألف ريال من حساب البضاعة»، فتقرؤها وتستمر في محادثته والتعامل معه، ولا تنكر المبلغ. فإذا طالبك به بعد ذلك أمام المحكمة، قُدّمت رسالته وسكوتك عنها قرينةً على أنك مقرّ به؛ لأن من يُطالَب بما ليس عليه لا يسكت عادةً.
٣. وأن يشتري الرجل سيارة فيستلمها، ويظهر له فيها عيب يُكتشف بالفحص المعتاد، فيسكت ولا يُبلغ البائع في مدة معقولة. فيُعدّ راضياً بالعيب، ويسقط حقه في الرجوع على البائع بسببه.
والسكوت ليس دليلاً قاطعاً في كل حال
والسكوت ليس دليلاً قاطعاً في كل حال، وإنما يُنظر فيه إلى الموقف وظروفه؛ فلصاحبه أن يثبت أن له عذراً في سكوته.
فإذا انتهى عقدك، أو وصلتك رسالة تطالبك بما لا تقرّ به، أو ظهر لك عيب فيما اشتريت، فاعترض كتابةً في وقته؛ فالكلمة التي لم تقلها في وقتها قد تُكتب عليك موافقةً.
في إحدى القضايا أقام مؤجر دعوى على موكلي، وهو مستأجر سابق لشقة، يطالبه بثمانين ألف ريال قيمة تلفيات: مطبخ مخلوع، وأبواب مكسورة، وتمديدات تالفة. وأرفق صوراً للشقة، وعرض سعر من مقاول لإصلاحها.
وموكلي يقول إنه سلّم الشقة سليمة، لكنه لم يصوّرها يوم خروجه، وليس عنده شاهد. فالصور عند المؤجر، ولا شيء عنده.
فتركت الصور، ونظرت في التواريخ.
موكلي سلّم المفاتيح ووقّع المؤجر على استلامها دون أي ملاحظة. وعرض سعر الإصلاح مؤرخ بعد ذلك بخمسة أشهر. فسألت: من كان في الشقة خلال هذه الأشهر الخمسة؟ وطلبت من الدائرة مخاطبة منصة إيجار، فجاء الجواب أن الشقة أُجّرت لمستأجر آخر بعد خروج موكلي بشهر واحد.
فكتبت مذكرة جوابية تمثلت في ثلاثة أمور:
أن التلف ثابت، لكن وقته غير ثابت. وقد قرر نظام المعاملات المدنية في قواعده الكلية أن «الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته». ومعناها أن ما لا يُعرف متى وقع يُنسب إلى أقرب وقت يحتمله. وأقرب وقت هنا مدة المستأجر الجديد، لا مدة موكلي. فمن أراد نسبته إلى وقت أبعد فعليه هو أن يثبت.
وأن المؤجر استلم الشقة ووقّع على الاستلام وسكت، وقد قرر النظام أن «السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان». ويوم الاستلام هو يوم البيان؛ فمن وجد مطبخاً مخلوعاً لم يكن ليسكت.
وأن المؤجر أخفى عن المحكمة أن في الشقة مستأجراً آخر، ولو لم يكن لذلك أثر لذكره.
وبفضل الله حُكم برفض الدعوى.
حوالة الحق: كيف يوجّه صاحب السجل التجاري الصوري دائنيه إلى أصحاب المؤسسة الحقيقيين
كثيرون فتحوا سجلاً تجارياً بأسمائهم لقريب أو صديق، ثم نسوا أمره. وبعد سنوات فوجئوا بمطالبات بمئات الآلاف عن مؤسسة لم يدخلوها يوماً.
والقاعدة هنا واضحة: صاحب السجل هو المسؤول أمام الدائنين. فمن باع للمؤسسة أو أقرضها تعامل مع الاسم المسجل، ولا شأن له بمن كان يدير العمل في الواقع.
مثال ذلك: رجل فتح سجلاً باسمه لقريبه. ثم أدخل القريب معه شريكاً، وكتبا بينهما ورقة تثبت أن المؤسسة لهما مناصفة، لكل منهما خمسون بالمئة. ولم يُوثَّق شيء من ذلك في السجل التجاري. ثم خسرت المؤسسة وتراكمت ديونها.
وأول ما يفكر فيه صاحب السجل أن يقيم دعوى لنقل المؤسسة إلى القريب وشريكه، فهما أصحابها الحقيقيون. إلا أن هذا الطريق مسدود؛ فالمؤسسة التي عليها ديون لا تُنقل، حتى لا يضيع حق دائنيها.
والحل في الورقة نفسها. فهي لا تُلزم الدائنين لأنهم لم يروها، لكنها تثبت أمراً مهماً: أن أصحاب المؤسسة الفعليين هما القريب وشريكه، وأن صاحب السجل ليس إلا اسماً. فما يُطالَب به من ديونها، من حقه أن يرجع به عليهما، على كل واحد بقدر نصفه.
والمشكلة أنه لا يستطيع أن يرجع عليهما قبل أن يدفع، وهو لا يملك ما يدفعه.
وهنا يفيده حكم في نظام المعاملات المدنية اسمه «حوالة الحق»، وهو أن ينقل الإنسان حقه الذي عند غيره إلى شخص آخر، فيطالب به هذا الآخر بدلاً عنه. ولا يُشترط لذلك رضا من عليه الحق، وإنما يكفي إبلاغه.
فيتواصل صاحب السجل مع الدائنين، ويقدّم لهم الورقة، ويقول لهم: المدينان الحقيقيان هما هذان، وحقي عليهما أنقله إليكم، فطالبوهما به. أما أنا فلا أملك إلا راتباً لا يتجاوز خمسة آلاف ريال.
والدائن له مصلحة في ذلك؛ فقد كان أمامه رجل واحد براتب محدود، فصار أمامه من أدارا المؤسسة وانتفعا بها.
ويبقى أمران لا بد من ذكرهما: أن هذا لا يُسقط الدين عن صاحب السجل، وأن الدائن لا يأخذ من كل شريك أكثر من نصيبه.
فمن فتح سجلاً باسمه لغيره، فليحتفظ بكل ورقة تثبت من هم أصحابه الحقيقيون. قد تكون هي الشيء الوحيد الذي يقف بينه وبين دين لا يطيقه.

