Pinned Tweet
الكتاب متاح للتحميل على موقع المركز
تقديم
تتناول هذه الدراسة ظاهرة الحركة الحوثية من منظور تاريخي-أنثروبولوجي، وتنطلق من نقد القصور المنهجي في الأدبيات السائدة التي تختزل الحركة في نموذج الوكيل الإيراني أو الميليشيا المسلحة، مُسقِطةً مفاهيم العلاقات الدولية على بيئة تحكمها شروط بنيوية موروثة من ألف عام من الإمامة الزيدية والتنظيم القبلي الانقسامي. تسعى الدراسة إلى الإجابة عن السؤال الآتي: إلى أي حدٍّ يمكن تفسير نشأة الحركة الحوثية واستمرارها وفهم تحولاتها بالاستناد إلى الإرث التاريخي للإمامة الزيدية والبنية القبلية، بدلاً من اختزالها في نموذج الوكيل الإيراني؟ وتحاجج الدراسة بأن الحوثيين فاعل تكيّفي تاريخي التشكّل، نشأ في تقاطع الإرث الإمامي والبنية القبلية وفشل الدولة الجمهورية، ويُعيد تعريف علاقته بالرعاة الخارجيين وفق أجندته المحلية أولاً.
وتعتمد الدراسة مقاربةً وصفيةً تحليليةً تركيبيةً تستند إلى أدوات علم الاجتماع التاريخي والأنثروبولوجيا السياسية، وتُعالج ستة محاور بنيوية تاريخية في جذور الحركة قبل الانتقال إلى تحليل بنية العلاقة الإيرانية-الحوثية وإشكالية نموذج الوكيل.
وتخلص الدراسة إلى أن الحركة الحوثية ليست قابلة للاختزال في مقولة واحدة؛ فهي في آنٍ واحد: امتداد وظيفي لإرث الإمامة الهاشمية، وتمرد نموذجي يتكرر عبر تاريخ اليمن، وأيديولوجيا هجينة تجمع الزيدية بخطاب الثورة والمقاومة، وفاعل تكيّفي يُوظّف الدعم الإيراني دون أن يذوب فيه. ومن ثَمَّ فإن أي تسوية سياسية مستدامة في اليمن تستلزم معالجة هذه البنى الداخلية لا الاكتفاء باستهداف الدعم الخارجي.
democraticac.de/?p=110502
من المفارقات أن الحوثي استخدم خطاب الوطنية منذ خطابه الأول، وملزمته الأولى، مروراً بحروب صعدة، وليس انتهاء بالتلويح به مقابل "العدوان الخارجي" وكما اسماه، والتي توحي بأن هناك حدود وسيادة واضحة ومحفوظة. وصحيح أن خطاب الوطنية أو القومية يستخدمه الحوثي بطريقةٍ وظيفيةٍ، على أن مفهوم "الهوية الإيمانية" في هذا السياق يحتاج إلى مزيد من التحليل والدقة.
ظهرت الزيدية في فترة التزاحم على إثبات شرعية الخليفة أو الإمام الحق التي استعرت في القرون الأولى للإسلام، ومنذ اليوم الأول رأت الزيدية، وعلى نحوٍ دائمٍ، بأنها في مهمة لاستعادة الخلافة أو الإمامة (الإمامة الوارثة للنبوة). وقد حاولت أن تَجِد لها بيئات مناسبة لتبني وتطبيق رؤيتها، فلم يُتاح لها إلا في شمال اليمن. بعد تشكيل أول سلطة زيدية في صعدة كان يُطلق على الإمام "أمير المؤمنين"، وهو لقبٌ دالٌ في السياق الإسلامي حتى وإن تم استخدامه مراراً وتكراراً في دول (إسلامية) مختلفة الشكل والحجم والمضمون.
ينتمي الحوثي في جزءٍ هامٍ منه إلى تيارات الإسلام السياسي التي تعتقد هي الأخرى بأنها في مهمة خاصة لاستعادة الخلافة، وبالتالي فالهوية الإيمانية أو الدينية هي الهوية الكلية المهيمنة على ما سواها. لكن لا يمكن الاستدلال من تمثّل الحركة الحوثية لهذه الهوية، وعدم اكتراثها بالهوية الوطنية والحدود الوطنية للوصول إلى استنتاج سريع بأن الحركة الحوثية يمكنها عبور الحدود بسهولة لإقامة مملكتها العظمى المنشودة، ولعدّة أسباب:
- فرق بين النوايا، الممكن والقدرات
- الهوية الإيمانية أو الدينية يعني أن يعتنقها الناس، ويؤمنون بها، وينخرطون في تكريسها والدفاع عنها، ولا يمكن فرضها بالقوة على الآخرين. ولا اعتقد أن الواقع في العصور الحديثة سيسمح بذلك، فلسنا في القرون الهجرية الأولى، وكل محاولات الحركات الإسلامية الراديكالية في بناء "دولة المؤمن" انتهت سريعاً سواء بالقوة أو التحوّل الكلي في تبنيها لمفهوم الهوية (الحالة السورية) والتحول البسيط في بيئة معزولة (حركة طالبان).
- على الرغم من هيمنة الإمامة الزيدية على تاريخ طويل إلا أنها لم تستطع أن تتمدد عقائدياً إلى المناطق الشافعية في شمال اليمن التي كانت تخضع لسيطرتها، ولذلك أسباب يطول شرحها.
- كلما زادت كثافة البُعد العقائدي في تمثلات الحركة الحوثية، ادى إلى اشتداد المقاومة ذات البعد العقائدي على الطرف المقابل.
قصدي هنا أن "اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي - كان في نظر التيارات اليسارية والعروبية - قلعة صلبة ...."
ثم تخلو عنه بعد هزيمته ولصالح نظام صالح (القبلي، الاسلامي...)
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان لها فيه.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
اليمن المؤسطَر والحوثي المُبرَّأ في عيون بعضٍ من نخبة العرب
أمين اليافعي
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
في الليلة التي يحتفي فيها مثقفٌ عربيٌّ بصاروخ انطلق من اليمن نحو إسرائيل، ومن مكتبه في إحدى الدول العربية أو الأجنبية، تكون في تعز أمٌّ تحفظ عن ظهر قلب طريقاً جبلياً شديد الوعورة سلكته سنواتٍ طويلة وهي تَحمِلُ أبنها المريض أو ما قدرت على حمله من المؤن لتبلغ حيّاً كان على بُعد دقائق قبل أن تُغلِق الجماعة عليها المنافذ والمعابر الطبيعية ضمن خطتها العسكرية لإحكام الخناق على المدينة. هذه الأم لا تظهر في كلام المثقف، وهو بالتأكيد لا يجهلها، لكن اليمن الذي يَكْتُب عنه لا مكان فيه لها.
فلليمن في المخيّلة العربية صورةٌ مستقرةٌ أقدم من كل حدثٍ يقع فيه، وهي كافيةٌ لتأويل وتفسير كل لاحقٍ. هو عند القومي مهد العرب الأول الذي يمنح أصالة الانتماء، وعند اليساري بروليتاري الجزيرة الذي يُقاوم أثرياءها (الرجعيين والمتبجحين)، وعند الإسلامي أرض "الإيمان يمان والحكمة يمانية" ومخزن رجال الفتوحات. وتختلف منابع التصورات، لكنها تلتقي في مشهدٍ واحدٍ؛ يمنٌ أصيلٌ، نقيٌّ، فقيرٌ، كريمٌ، مسكونٌ بالكبرياء، يعيشُ في بيئةٍ معاديةٍ تريد أن تنتزع منه مورده الوحيد (الأصالة الحضارية) الذي تفتقده. وفكرة أن يكون اليمن جديداً ومختلفاً، وكذلك المنطقة، لا يهم، وربما هي غير ممكنة أو لا مفكر فيها، وفق وجهات النظر هذه، ما يهم هو أن يظل في المقاومة للحفاظ على أصالته المُستهدفة على الدوام، وبما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن يَحمِل هذه الصورة في رأسه، لا يحتاج أن ينظر أو يتمعن فيما تفعله أي حركة يمنية بـ(أهلها)، ودراسة سلوكها في الداخل، فكل ما ينتظره منها هو الهدف الخارجي الذي تصوّب إليه خطابها/بندقيتها.
خطورة هذه الصورة أو السردية المؤسطرة هي أنها ترفع اليمن إلى مقام الرمز (المُقدّس)، وتنزع عنه في اللحظة ذاتها كونه مجتمعا تقليدياً، وبلد ينتمي إلى قائمة دولة العالم الثالث الأكثر بؤساً. فالرمز لا سجون فيه، لا مناهج يُعاد كتابتها لتلقين الأطفال أن الحكم حٌقٌ حصريٌّ في سلالةٍ، لا نساء تُنتهك حرماتهن ويذقن المرّ في السجون وخارجها، لا صحفيين يُحكم عليهم بالإعدام بتهمٍ ملفقةٍ، لا لوائح زكاة تُقطع من قوت الناس المقهورين لصالح فئة تزعم امتيازاً بالنسب... الرمز لا يملِك إلا وجهاً وحيداً؛ الوجه الذي يواجه به العالم.
كان اليمن الجنوبي الاشتراكي الماركسي العروبي قلعة صلبة لمواجهة الهيمنة الإمبريالية، وخط متقدم للدفاع عن قضايا الأمة العربية، وعلى هذا الأساس والهدف ذهب محمود درويش في بداية الثمانينات بعد خروجه الاضطراري من بيروت إلى عدن "قبل أحلامه وقبل تاريخه، وليَعرِف لمن يرفع البحر أجراسه، وإيقاعه المُنتظر...". ومع إن درويش لم يجد بعد رحلته سوى "يمناً حزيناً على أمرئ القيس، ويمضغ القات، ويمحو الصور"، استمرت السردية اليسارية والقومية في خيالها الشاطح تجاه أخر قلعة الصمود العالية أسوارها. هُزمِت دولة الجنوب على إيدي نظام صالح (القبلي، الإسلامي، المتحالف مع المعسكر الغربي)، لكن سرعان نَقَلت هذه النخب كفالة مشاعرها القومية تجاه صالح، فتقاطرت عليه خطاباً وفي المناسبات (الباذخة) التي كان يُقيمها خصيصاً وباستمرار على شرفها.
وحين وقف صالح في صف صدام حسين عند غزو بلد عربي آخر (الكويت)، صار صالح في المخيّلة القومية الجامحة رمزاً للكرامة العربية المهدورة في وجه "الهيمنة". كان موقفاً لا يُبرر، ومع ذلك لم يسأل أحدٌ من مُصفقّي تلك اللحظة العنفوانية عن مصير مؤسسات دولة الجنوب التي يعرفونها جيداً، وإنسانها، ولا عن التنمية في اليمن، أو عن السجون، فضلاً عن مصير أكثر من مليون عامل يمني دفعوا ثمن هذا القرار غير الرشيد، فقد كان الموقف الخارجي يكفي لإصدار أحكامٍ قطعيةٍ، ويَجُبَ كل ما قبله وما بعده وما بينهما. على أنه، وحين حاول صالح نفسه الانقلاب على الحوثي صار "عميلاً"، ولم يُثر قتله من قِبل حلفائه/خصومه الحوثيين في ديسمبر ٢٠١٧ أي تعاطف أو ارتباك في المنطلقات الأخلاقية والقومية للمعجبين بـ"اليمن المقاوم"، لقد تغيّر الممثّل وبقي الدور. ولم يكن الحوثي بحاجةٍ إلى صناعة شرعيّةٍ مقبولةٍ شعبياً في عيون هذه النخب، فالشرعية جاهزة. وكل ما في الأمر هو أن يعثر على المقعد الأمامي الشاغر في مسرحٍ مُتخيّلة شرعيته سلفاً ليجلس عليه، ثم يصرخ تجاه الخارج بما يكفي حتى يتحوّل ما يفعله في الداخل إلى تفصيلٍ هامشيٍّ لا يستحق الالتفات.
تبرير كل ما تقوم به جماعة الحوثي تحت لافتة الدفاع عن القضية الفلسطينية، قضية الأمة، يُعيد تذكرينا بتلك الثنائية التي اقامتها الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة العربية لتبرير استبدادها وتسلطها وعجزها عن التنمية والتحديث (التناقض مع العدو الخارجي رئيسي دائماً، والتناقض مع المستبد الداخلي ثانوي دائماً). فما الذي يمكن أن يفعله بلدٌ كاليمن يجري تجريف وعي أجياله للقضية الفلسطينية؟
ولعل من أغرب التبريرات في هذا السياق استبدال أو استهجان مشروعية المقاومة بناء على ادعاء الأصالة أو الانتماء العضوي؛ أي تحويل النتائج التي فرضها السلاح إلى هوية اجتماعية أصيلة ودائمة. قد يكون لهذا الحديث بعض المعقولية عندما كانت الحركة لا تتجاوز حدود صعدة، لكن اليوم يقوم هذا المنطق على جعل كل جماعة مسلحة فرضت أمراً واقعاً بالقوة أصيلة بقدر سطوتها. كانت المبررات القديمة التي منحت الحركة مشروعية مواجهة نظام صالح قائمة على رفض العنف والظلم والتهميش، وهذا الدور تقوم به الحركة الحوثية اليوم، في كل أرجاء البلاد، ودون هوادة. ومع إن هذه المقولة تُعيد تذكيرنا بأقدم مقولات الفقه السلطاني (إمامة المُتغلّب)، فيتحول التحليل لميزان القوة إلى تزكيةٍ له، يبقى جوهر الإشكال في وصف الحركة بـ"المكوّن الأصيل" باعتباره يستمد وجوده وحضوره وحقه من نسيجٍ اجتماعي قائم في صعدة وشمال الشمال، أي من البيئة الزيدية، وكما يُفهَم من ذلك. هذا الوصف يُحاول أن يُحرر الحوثي من كونه "أداة إيرانية" بحتة، وهي الإحالة التي تتكرر بغرض الشيطنة واستجلاب التعاطف الخارجي، لكن ومن حيث لا يدري أو يقصد صاحبه، يرتكب ما هو أخطر؛ أي تحميل المذهب الزيدي والكتلة الزيدية مسئولية ما تقوم به الحركة الحوثية، حيث يجري تحويل الانتماء المذهبي لملايين اليمنيين إلى رصيدٍ سياسيٍّ محجورٍ باسم حركةٍ واحدةٍ، فيجعل كل زيدي مسجلاً على الحوثيين مسبقاً وحصرياً، ورهينةً لأصالةٍ لم يمنحها هو لها. والحركة الحوثية تريد هذا التحديد بالذات، فمشروعها الإيديولوجي يقوم على احتكار تمثيل الزيدية، والتحدث بلسانها، وابتلاع تراثها، ومصادرة حقها في أن تكون شيئا آخر غير الحركة الحوثية. والمفارقة أن هذا التحليل الذي ربما يحاول تجنّب الوقوع في فخ القراءة الطائفية، يلتقي مع خصوم الحوثيين الطائفيين الذي يقولون بأن الحوثيين هم الزيدية، كل الزيدية، والزيدية هي الجارودية/التشيع، والتشيع هو في نهاية المطاف إيران، بغض النظر عن دوافع قول ذلك سواء بهدف الشيطنة أم باسم الاقرار بالواقع، فالنتيجة في نهاية المطاف واحدة. وفي الحالتين يخسر الزيدي العادي حقه في أن يكون مواطناً مستقلاً عن السلاح الذي يُرفَع باسمه.
أما سردية "العالم المُعادي" فلا تصمد أمام الوقائع، فلقد كان العالم متسامحاً مع الجماعة إلى حد بعيد، وربما لم يحظ فاعلٌ مليشياويٌّ ما دون الدولة بكل هذا القدر من التسامح الخارجي. أوقف اتفاقٌ دوليٌّ معركة الحديدة، وتلته هدنة طويلة، ثم مبادرات متتالية. وحيث امتدت يد الجماعة إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قرأ المبعوث الأممي هذا التحرك في إحاطاته أمام مجلس الأمن جزءاً من تصعيدٍ إقليميٍّ متصلٍ بغزة، ودعا إلى معالجة شاملة لقضايا المنطقة بدل الردع. ومع ذلك لم تكف الجماعة عن اجتياح المدن خصوصا في تلك المناطق التي لا تُشارِكها المذهب أصلاً.
ولا يعني هذا كله أن الحرب التي اندلعت منذ عام ٢٠١٥ كانت صفحة بيضاء في الجانب الآخر، أو أن من تصدّوا للحركة الحوثية كانوا بمنأى عن الخطأ. فقد رافقت هذه المعركة أخطاء جسيمة، دفع المدنيون ثمن بعضها من دمائهم وأرزاقهم. وتخللتها صراعات محلية وإقليمية متشابكة، على أكثر من مستوى وفي أكثر من اتجاه، حتى داخل المعسكر الواحد، فتعددت الأجندات وتنازعت الولاءات وتآكلت الثقة بين الحلفاء. غير أن الإقرار بأخطاء الآخرين شيء، واتخاذها ذريعة لتبرئة الحركة الحوثية شيء آخر. فالنوايا الصادقة لمساعدة اليمن على الخروج من أتون هذه الحرب، وإنهاء دورة العنف التي أنهكت أهله، تبدأ من فهم الواقع كما هو: بتعقيده، وتعدد فاعليه، وتوزّع المسؤوليات فيه، ولا تبدأ من صورة متخيَّلة تختزله في بطل (مقاوم) وأعداء. أما منح الحركة دفعات متتالية من التشجيع والتزكية، فليس انحيازًا إلى السلام أو انتصاراً للإنسان اليمني على الإطلاق، بل هي وقودٌ إضافيٌّ لحربٍ تُستأنف كل مرة على مدن اليمن الأخرى.
نصيحة من ذهبٍ، وإن كان الواحد تعلمها متأخراً
"من الأشياء التي تستنزف وقتك أن تشرح نيتك لشخص قرر مسبقًا أن يفهمك بطريقة سيئة. مهما أحسنت الشرح، سيجد في كلامك ما يؤكد فكرته"
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها. لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.
"في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ"
الدولة الفاشلة أم الدولة اليمنية
أمين اليافعي
٢١ أكتوبر ٢٠٢٦
في الثلاثة عقود الأخيرة، تكرّر في كل ما يُكتب عن اليمن وصفها بـ"الدولة الفاشلة" وذلك من خلال قياسها عن طريق مؤشرات دولية معيارية: الأمن واحتكار العنف، القدرات الإدارية والقانونية، توفير الخدمات العامة...إلخ. على أن هذا الوصف، وعلى ضوء ما آلت إليه تحولات الواقع في السنوات الأخيرة، يستدعي إعادة نقاشه ومراجعته والتفكير به بطرقٍ مختلفة وغير تقليدية، وبعيداً عن الصيغ التي تُغلق أبواب البحث والدراسة، وتَحَسُم الأجوبة سلفاً. إن وضع الحالة اليمنية في سياق النموذج المعروف للدولة الحديثة ذات السيادة المركزية، ثم قياس ما ينقصها، لا يعطي صورة واقعية عن الأشكال التي يتشكَّل بها وعن طريقها المجال السياسي في اليمن. إن تاريخ اليمن ليس ببساطة قصة دولة (حديثة) لم تُولَد بعد أو لم تُولد قط، بل هو تاريخُ سلطةٍ سياسيّةٍ تشكّلت مِراراً، وتنوزِع حولها، وأُعيد تشكيلها بين الأئمة والزعماء القبليين والمسئولين الجمهوريين، والمجتمعات المحلية، والقوى الإقليمية...إلخ.
وبما أن "الدولة" ليست مجرد مبنى أو وزارة أو عَلَم ونشيد، بل هي أيضاً ادعاء؛ أي أن لسلطة ما حق سنّ قواعد مُلزِمة للآخرين، وتحصيل الموارد، وجباية الضرائب، وتسوية النزاعات، والتحدّث باسم جماعة سياسية محددة ومعلومة تعترف بها. وقد تُوجَد مثل هذه الادعاءات من دون أن تحظى بقبولٍ متساوٍ أو تُنفّذ في كل مكان. ويُبين تاريخ اليمن ضرورة التمييز بين وجود مؤسسات الدولة وبين مدى نفوذها وشرعيتها.
لقد كان تاريخ اليمن السياسي أكثر ارتباطاً بظروف متغيرة؛ إذ تبدلت التحالفات القبلية، وتفاوض الزعماء مع الحكام، واستندت السلطات الدينية إلى مطالب مشروطة بالسياق السياسي، بينما لم يكن النظام القبلي يعني غياب الحكم بشكلٍ كليٍّ ولا صورته البدائية. كان منظومة من المفاهيم المشتركة: الحماية، والوساطة، وحُرمة أماكن وأشخاص بعينهم، والتحكيم في النزاعات على أيدي من يُعترف لهم بمكانة. ومن يستخدمون هذه اللغة لا يُصنّفون بـ"حالة لادولتية"، بل يمارسون السياسة، بشكلٍ أو آخرٍ. ولا يعني ذلك أن المجتمع القبلي كان مثالياً أو خالياً من النزاع، أو أن الدولة لم تكن سوى انعكاس كلي ووحيد للقوة القبلية. المقصود هنا أن ثنائية "القبيلة في مواجهة الدولة" ليست في الغالب نقطة انطلاق مناسبة. فقد تُقاوم القبيلةُ الحاكم في سياقٍ، وتتعاون معه في سياقٍ آخرٍ. وقد يعتمد الحاكم على السلطات المحلية، فيما يسعى في الوقت نفسه إلى الحد من استقلالها. وقد تتعاون المؤسسات العرفية مع سلطات الدولة، وتقوم بحفظ النظام من دون أن تتحول ببساطة إلى مؤسسات تابعة لها.
ولم تكن الإمامة الزيدية سلطةً دينيةً تقف خارج السياسة أو متعالية عليها. صحيح إن شرعية الإمام استندت إلى العلم الديني والنسب إلى آل بيت النبي، فضلاً عن صفات سياسية والقدرة على إظهار السلطة، غير أن ادعاء الإمامة لم يكن كافياً بحد ذاته لإحكام السيطرة؛ إذا اعتمد الأئمة على التحالف والتفاوض والقوة عبر شبكة علاقات شديدة التحوّل والتبدّل، وكان بوسع الفاعلين القبليين مساندتهم أو تحدّيهم أو مبايعتهم وفقط شروط معينة. لهذا كانت الإمامة صيغةً للحكم، ولكنها لم تكن صيغة تحتكر السلطة في الواقع العملي احتكاراً متجانساً على كامل الإقليم الذي تدّعيه، حتى وإن سعت بكل السُبل لتثبيت قواعد الاحتكار والهيمنة.
لقد اختلفت التجارب التاريخية في بناء وتشكيل المجال السياسي، وعلاقات الناس بالحكام والمؤسسات، بين المرتفعات والوسط والجنوب، كما أسهم الحكم والتدخل العثماني والنفوذ البريطاني في عدن والمحميات خلال القرون الأخيرة، والتغيّرات التي طرأت على الحدود، في تشكيل نطاق السلطة والفاعلين السياسيين ذوي الأهمية. ولم تكن الجغرافية مجرد خلفية لبناء الدولة؛ بل أسهمت في نشوء تجارب سياسية مختلفة وعلاقات متفاوتة بالمركز.
وإذا كانت ثورة ١٩٦٢ انهت نظام الإمامة، لكن الممارسات السياسية السابقة لم تختف، فالحرب الأهلية التي تلتها انتجت تسوية حَفِظَت من النظام القديم أكثر مما أطاحت به. فالاتحادات القبلية نفسها التي كانت شريكة الإمام وخصمه في نفس الوقت، صارت بنفس الكيفية شريكة الجمهورية الوليدة وخصمها. غيّرت الثورة لغة الشرعية والمؤسسات التي ادّعت تمثيل الجمهور، وفتحت في الوقت نفسه صراعاً على من يَحكم وكيف. ولم يكن ذلك انتقالاً بسيطاً من القبيلة إلى الدولة، بل إعادة تنظيم للسلطة تفاعلت فيها الشبكات القبلية والفاعلون العسكريون والمؤسسات الجمهورية.
وقد سلكت كلٌ من الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الديمقراطية الشعبية مسارين مختلفين. فقد اعتمدت الأولى بدرجةٍ كبيرةٍ على الوساطة السياسية والتحالفات بين النخب العسكرية والقبلية، أما جمهورية اليمني الديمقراطية فاتجهت إلى مشروعٍ سياسيٍّ أكثر مركزيّة وتنظيماً إيديولوجياً. وإذ واجه كلاهما قيوداً اقتصادية وفوارق إقليمية وضغوطاً خارجيةً مختلفةً، لكنهما نظّما سلطة الدولة بطرائق مختلفةً كلياً.
مثّلت الوحدة عام ١٩٩٠ ادعاءً طموحاً بإمكانية تحوّل دولتين إلى جماعة سياسية واحدة. لكن جمع المؤسسات لم يؤدِ تلقائياً إلى دمج البُنى السياسية. وكشفت حرب ١٩٩٤، التي انتهت بانتصار حكومة الشمال ونموذجها، الفرق بين مفهوم الوحدة الإقليمية المأمول وبين الشعور بملكية الدولة المشتركة، بين الشراكة بالتساوي والاندماج والشراكة بالغلبة. وإذ ظلّت الوحدة إطاراً رسمياً، لكن شرعيتها اهتزّت لدى من اختبروا النظام القديم-الجديد بوصفه هيمنة لا مشاركة.
وحَكَم علي عبد الله صالح هذا البناء الهلامي غير المستقر أكثر من ثلاثة عقود عبر مصفوفة متغيّرة من التوازنات بين زعماء القبائل والقادة العسكريين، وكافأ الولاء بالنفاذ إلى موارد الدولة (أو بعبارة بوروس: "حكم الناس الذين يستولون على موارد الدولة أثناء مرورها من تحت أيديهم")، بينما تَرَك التنافسات تجري ضمن حدود لم يَعد من الممكن ضبطها مع مرور الوقت وتقادم أدوات سلطته. ظلّت مؤسسات الدولة طبقةً رقيقةً كان الحاكم هو النسيج الرابط، وبعد اضعافه في ٢٠١١ كشفت مدى صعوبة أو ضآلة التوافق بشأن قواعد نظام سياسي جديد، ولم يبق شيء في النهاية للتنازع عليه سوى أشلاء النظام.
بعد انهيار المرحلة الانتقالية، واستيلاء الحوثي على صنعاء، ونزوح الشرعية إلى خارج البلاد، نشأ نمطان من السلطة. شرعيةٌ صار رأسمالها الأساسي الاعتراف الخارجي لتعويض ما فقدته من قاعدة داخلية. تطورت الأمور ميدانياً، وكانت هناك حاجة لتعزيز شرعية الشرعية عبر إجراء تسويات بين القوى الفاعلة على الأرض، واستعادة الدور الوظيفي للسلطة التقليدية في اليمن في ممارسة الوساطة والتفاوض والتحكيم بين قوى مختلفة، مع افتقارها للعقد السياسي والمكانة النابعة من الجماعات التي تحكمها وتحكِّم بينها. أما الحركة الحوثية التي عملت على إعادة تشكيل المجال السياسي بالعنف والتفاوض فقد أخرجت بنيتين متراكبتين: واجهة رسمية من وزارات ومجلس سياسي ومحافظين، وطبقة إشرافية غير رسمة يتركز فيها القرار الفعلي، ومعظم أفرادها من أسر هاشمية أو أعيان محليين تحوّلوا إلى الولاء للحركة. وعن طريق "دولة الظِل"، تحاول الحركة الحوثية إعادة تكريس الإمامة بمنطقٍ مختلفٍ، فالإمامة لم تملك جهازاً إشرافياً بالمعنى الراهن، لكن استعادة منطقها يتمثل في احتلال فئة السادة موقع الوساطة والرقابة، ودمج النخب القبلية بشروط، ويُصبِح القرب من هذه الفئة معياراً للنفوذ.
لا يفرض تاريخ اليمن جواباً واضحاً فيما يتعلق بمفهوم الدولة، فكل الصيغ تبدو طبيعية واحتمالات ممكنة. ولا يمكن اضفاء الشرعية على أي منها بمجرد إعلانها الصيغة الصحيحة أو ادعائها السيادة على إقليم؛ فالشروط التي اضعفت ادعاءات الدولة مِراراً وتكراراً كالإقصاء الإقليمي، والتفاوت في الوصول إلى الموارد، والاعتماد على التفاهمات الشخصية والوساطة، وغياب آليات موثوقة لتسوية النزاعات، هي شروطٌ مؤسِّسةٌ ومتجددةٌ لكل الأنظمة المتعاقبة من ناحيةٍ أخرى. ولا يبدو رسوخ السلطة (الشرعية) من خلال رؤية الناس بأنها جزءٌ له معنى في حياتهم عنصراً ذا أهمية، فالدولة تتعايش مع أكثر من مصدر للسلطة دون أن تُطالب باختفاء مصادر السلطات الأخرى. وقد يختفي النظام نفسه أو يكون هشاً دون أن يعني غياباً كلياً للسلطة.



