Pinned Tweet
ما تاخذ دقيقة من وقتك:
- سُبحان الله
- الحمدلله
- لا إله إلا الله
- الله اكبر
- سُبحان الله و بحمده
- سُبحان الله العظيم
- استغفر الله و أتوبُ إليه
- لا حول و لا قوة إلا بالله
- اللهم صلِ وسلم على نبينا محمد
- لا إله إلا الله محمد رسول الله
معالجي النفسي الذي يشبه قندساً قارضاً يصنع السدود، قال لي أن جزءاً كبيراً من اضطراباتي النفسية يرجع لسبب بسيط، هو أنني غير مكتفٍ عاطفياً وجنسياً، قال هذا لأنني بادرته بنظرية الأنصاف التي تحكم قوانين حياتي، حيث أعيش في المنتصف، في المنتصف من كل شيء وأتغذى على الأنصاف
كنت دائماً نصف ابن، وتعايشت مع نصف عائلة، وكنت دائماً نصف حبيب، ونصف شاعر، ونصف همجي، ونصف نبيل، ونصف عاقل،ونصف مجنون، وكنت دائماً أتعثر بنصف امرأة، وكان عدم الاكتفاء سيد كل شيء، فلست مكتفيا من كل شيء، ولست كافيا في أي شيء
نصحني بالزواج فبادرته فوراً بمقولة لأوسكار وايلد أن الزواج وجبة طويلة مملة مع تقديم الحلوى في البداية،
قال لي بقندسية فاخرة.. لحظة.. أليس لديك آراء أصيلة تنبع منك أنت فقط قلت إن أردت هذا فسأقول لك أن الزواج خطيئة، والإنجاب جريمة والحب فخ والكون أبدي والعذاب سرمدي
نظر إلي بيأس وقال إن العلاج النفسي المعرفي لا يصلح لأمثالك أنت ثرثار ومتعصب ومغرور، أنصحك أن تغير أفكارك هذه وإلا ستزور طبيباً نفسياً في النهاية وهذا لعمري أخطر عليك من أفكارك ذاتها
قلت وأنا أحك جبهتي كمن يحك مصباحاً منتظرا مارده، أن الأمر ليس بيدي، إنني لا أختار أفكاري، فهي تنبع من ثقب أسود في دماغي، لا أمتلك السيطرة عليها، تولد الأفكار ناجزة ومكتملة وتقودني بلا وعي، اتجه معها أينما اتجهت، هي الريح وأنا سفينة لا إرادة لها
ومع اتجاه سفينتي.. اتجه بنا الكلام إلى نقاش طويل بعضه فلسفي وبعضه عقائدي وبعضه وعظي معلّب بطعم البلاستيك كله يدور حول حرية الإرادة، حيث أني لا أؤمن أن للإنسان إرادة حرة، هذا الإنسان الدمية ثمة من يحركه، سواء عمداً أم اعتباطاً، هذه الدمية لا تتحرك من تلقاء ذاتها
الإرادة مجرد وهم، نحن لا نختار شيئا، إننا نولد مستعبدين للجينات والتنشئة والظروف الأسرية والاقتصادية والسياسية، هل ستقنعني مثلاً أن طفلا وُلد في مخيم أثناء الحرب يمتلك إرادة حرة لتغيير مصيره؟ هل تقنعني أنك وصلت لكرسي المعالج النفسي بمحض إرادتك الحرة؟ أو أن ظروفك هي من ساقتك إليه؟
ظروفك الجينية وتنشئتك وسياقك الاجتماعي والاقتصادي و المكان الذي ولدتُ فيه كانت من اختيارك؟؟
حتماً نحن مجرد عبيد في سوق السخرة الكوني هذا، ويختلف مستوى العبودية اختلافاً في الدرجة لا في النوع. لا أحد يختار، الجميع يساقون سوقاً لمصائرهم التي لا يتحكمون في تحديدها
أخذ يكتب في ورقة أمامه، بينما لازلت أتحدث باسترسال موسيقي، ثم بادرني وقال أفلا تصمت الآن
قلت ألم تطلب آرائي الأصيلة؟ فنظر لي نظرة باردة تشبهه جداً، وقال أنت لم تعطني آراء أصيلة أصلاً! بل تقيأت علي فلسفة عدمية جبرية يتداولها الناس منذ اكتشف الإنسان مأساته، أنت مجرد بوق، قلت لا بأس
حسناً أنا مجرد بوق، لكنني أتبناها كطفل
دعني أربط هذا بالسياق، أتظن أن طفلاً معروضاً للتبني يمتلك مصيره؟ هل يمتلك الطريقة التي سينشأ بها، ربما تتبناه عائلة مسيحية فيكبر كاثوليكياً، و ربما تتبناه عائلة مسلمة فيجد نفسه في نهاية المطاف في الجنة معك، أو لا يتبناه أحد فيصبح سفاحاً
أترى حجم العبثية في هذه الحياة؟.. أخذ يحدق بي بصمت ثم قال برجاء وتوسّل : يا بني أفلا تصمت من فضلك؟ فأنت تسوّد آخر ورقة بيضاء في رأسي، إنك لستَ مريضاً، بل أنت مرض بحد ذاته!!
لم أكترث وقلت لم آتيك لأصمت، أو بمعنى أصح لم أدفع لك المال كي أصمت، أليس هذا عادلاً؟ خذ مالاً واسمع هرائي
أنت تجلس هنا في مكتبك الأيقوني هذا الذي تطوف فيه روح فرويدية قذرة لتستفزني بتسخيفك لأفكاري ومعاناتي واختزالها في مجرد أنني أختار أفكاراً سوداوية تؤثر على سلوكي وانفعالاتي، هذا ليس اختزالاً لمعاناتي فقط، بل لمعاناة كل البشرية، أهذا ما قضيت كل عمرك تدرسه؟ يا للسخف.
هذا سخيف حقاً، هذا أسخف موقف في حياتي، أنتَ بحد ذاتك أسخف رجل عجوز قابلته، لم يعطك الله حكمة الشيب ولا موضوعية العلم، إنك ندبة شاذة في وجه العلوم السلوكية كلها.
وقفت للخروج غاضباً فوقف معي بسرعة قل نظيرها في عجوز مثله..وأعطاني وصفة طبية، قال هذه ستجعلك سعيداً وهادئاً، استمر عليها
اخذت الورقة وعجنتها بيدي و ألقيتها أرضاً، وقلت أتظن أن التلاعب بكيمياء دماغي سيحل الأمر؟ أتظن أن هذا سينطلي على ثقب دماغي الأسود.. إنك لا تزال مستمراً في اختزال معاناتي، تختزلها معرفياً، والآن تختزلها كيميائياً، أهذا ما تعلمته؟ قلت هذا وخرجت خروج موسوياً.
أخرجت سيجارة قبل خروحي من العيادة، وكنت في ممر مفروش بسجادة حمراء كما لو أننا في حفل اوسكار، أشعلتها فبادرتني موظفة الاستقبال بقولها أن التدخين ممنوع، وكانت عيناها فاتنة بالمناسبة، قلت لها أنني خارج على أي حال، قالت من فضلك أطفئها الآن، فقلت بغضب وهبل ومتى تطفئين أنت ضوء عينيك؟
قلت هذا بوجه غاضب بينما أنفخ الدخان للأعلى ، ظهرت على وجهها لمعة الصدمة ولا تدري بأي شتيمة تبدأ، أكملت سيري وكان منظري يشبه منظر الجوكر في فيلم ذا دارك نايت قبل أن يفجر المستشفى، ولا أخفيك أن فكرة تفجير شيء ما كانت تتمالكني، لقد كنت منتفخاً من الغضب وبدا أنني أنا من سينفجر.
خرجت وأنا أفكر في شيء واحد فقط، هو أين ستسوقني أقداري هذه المرة، وكيف سينتهي هذا اليوم، وكنت حاقداً ناقماً مملوءاً بشعور عميق بالخذلان وشعور أعمق بالذنب، وكانت حفلة تعذيب تجهز في رأسي، أين الخلاص؟ أهنالك خلاص أصلاً؟ هل الموت سيكون خلاصاً؟ أم سيكون هو الآخر حفلة تعذيب.
هل أقذف نفسي أمام أقرب سيارة لتدهسني، هل أملك هذا القرار أصلاً؟ هل لدي ما يكفي من حرية إرادة مزعومة لأختار الموت أو الحياة؟ أأظن بعد كل هذا أنه يمكنني التحكم في مسار قصتي؟ أم أن كاتباً مجنوناً سايكوباثياً هو من يؤلف روايتي الآن.. متى سيضع النقطة الأخيرة، متى سيشعر بالملل ويتوقف
متى ستتعب يده من كتابة مشاهدي المؤلمة، متى يجف حبره، متى يصيبه الزهايمر وينسى أنه يعمل على رواية كابوسية، هل سيتوقف؟ هل سيختار نهاية سعيدة .. وما فائدة النهايات السعيدة بعد كل هذه الملحمة المؤلمة. هل سيتم تعويضي، أم أنني أفسدت على نفسي فرصة التعويض بكثرة اعتراضاتي.




