مقالة للدكتور فوزي الصدقاوي بعنوان "الرأسماليّة والمسار الديمقراطي بين وهم التلازم وواقع الاستبداد في رأي د. عزمي بشارة"
يناقش عزمي بشارة طبيعة العلاقة التاريخيّة والواقعيّة بين الرأسماليّة والبورجوازيّة من جهة، ونشوء الديمقراطيّة واستمرارها من جهة أخرى، وهو ما يستتبع الاستفهام حول ما إذا كان هناك ترابط حتمي وضروري بين النظام الرأسمالي والنظام الديمقراطي الليبرالي أم أنّ الرأسماليّة قادرة على التعايش مع الاستبداد والديكتاتوريات؟ وأيّ دور فعلي في هذا السياق لعبته الفئات البورجوازيّة والطبقات المختلفة (كالطبقة العاملة والطبقة الوسطى والمثقفين) في تأسيس الديمقراطيّة وترسيخها أو تقويضها؟
يُثبتُ التاريخ والواقع المعاصر أن الرأسماليّة قد تتعايش وتساند الأنظمة السلطويّة والاستبداديّة إذا ضمنت مصالحها الاقتصاديّة. إذ لا يوجد قانون حتمي يؤدي إلى الديمقراطية لمجرد وجود اقتصاد رأسمالي، فالنظام الرأسمالي يتميّز بانفصال سلطة الدولة عن ملكيّة مصادر الثروة وعن عمليّات جبايّة الضرائب بالقوة المباشرة، وهو يعتمد على التبادل التعاقدي وحريّة العمل المأجور، ما يوفّر أساسا محتملا لاحتضان النظام الديمقراطي مقارنة بالأنظمة التقليديّة القائمة على الاكراه.
ففي العصور الحديثة قادت البورجوازيّة النضال التاريخي ضد نظام الامتيازات الاقطاعيّة، لكنّها تحوّلت لاختيار التحالف مع السلطة الاستبداديّة وحماية مكتسباتها الاقتصاديّة عندما شعرت أن توسيع حق الاقتراع والديمقراطيّة يهدد مصالحها وملكيّـتها الخاصة.
ولم يكن تصوّر ماركس القائل إن الاستقطاب الثنائي سيقضي على الطبقات الوسطى، وهو يميّز بين المنشإ التاريخي للديمقراطيات الغربية الأولى والدور المتأخر للبرجوازية التي كانت قد أطلقت في بدايتها (من خلال صراعها ضد الإقطاع والإكليروس) المفاهيم التنويرية (الحرية والمساواة) شاقةً الطريق أمام الوعي السياسي. لكنّها سرعان ما تحوّلت هذه البرجوازيّة إلى “أرستقراطية سياسيّة” جديدة حاولت احتكار الحريات وحظر حق الاقتراع خوفا على ملكيّتها وبالتالي فإنّ تعميم الحقوق والحريّات ومساواة المرأة لم تكن مِنّـة منها، بل تحقق عبر نضالات الطبقة العاملة والحركات الاجتماعيّة التي استخدمت المفاهيم التنويرية نفسها ضد البورجوازية ذاتها.
كان رهان الشيوعيين الأوائل على الوصول إلى “ديكتاتوريّة البروليتاريا” عبر الآليات الديمقراطيّة، قد تبيّن خطأه، فقد اتسعت الطبقة الوسطى وظهرت فئات الخبراء والفنيين. كما أثبتت التجربة التاريخية أن الأنظمة الديمقراطيّة قادرة على إدارة الفجوات الطبقيّة عبر التسويّات، والاعتراف بالحقوق الاجتماعيّة والنقابيّة وفرض الضرائب التصاعديّة، وتنظيم تداول السلطة مؤسسيًا.
فالديمقراطيّة ترتبط تبادليا بتراجع التفاوت الشديد في الثروة والنفوذ، حيث يؤدي التفاوت المتطرف إلى غياب المشاركة ونشوء أنظمة سلطويّة تحتكر الاقتصاد ومصادر التأثير (ما وصفه روبرت دال بالانتقال من اللامساواة المتراكمة إلى اللامساواة المشتتة أو المتفرقة).
وفي نظر عزمي بشارة، فإنّ العلاقة بين الرأسماليّة والديمقراطيّة لا تخضع لحتميات مطلقة، بل تحكمها متغيّرات تاريخيّة جائزة وطبيعة نمط التحديث ودور الدولة وكيفيّة نشوء الرأسماليّة.
وهو يرفض نسب الدور الرئيسي في نشوء الديمقراطيات حصريا للرأسماليّة كنظريّة عالميّة ثابتة، فالبورجوازيّة في الدول الناميّة (وكذلك في تجارب اللبرلة الاقتصاديّة الفوقيّة في بعض الدول العربيّة وشرق أوروبا) غالبا ما ترتبط بالنظم السلطويّة وتتحالف معها، بينما القوى التي تنتفض وتطالب بالتغيير هي الطبقات والجهات المتضررة من السياسات.
كما يعتقد بشارة أن الديمقراطيّة الحقيقيّة تقتضي الانتقال من تركيز مصادر القوة والنفوذ إلى تفرّقها وتنوّعها على نطاق أوسع، مشدداً على أنّ وجود اقتصاد السوق وتوسيع الحقوق السياسيّة والاجتماعيّة والحدّ من الفوارق الطبقيّة الفاحشة يُعدّ شرطا أساسيا لترسيخ النظام الديمقراطي وحمايته من الانزلاق نحو الاستبداد.
وهو ينفي أن تكون البرجوازيّة في بلدان العالم الثالث أو المنطقة العربيّة حاملا حصريا أو رئيسيا للفكر الديمقراطي، فغالبا ما اعتمدت البرجوازيات المحلية في الدول العربية على قطاعات الخدمات والاستيراد والتصدير والتجميع، وهي قطاعات تتكيّف بسهولة مع أي نظام حاكم (ملكيا كان أم جمهوريا).
ويلاحظ بشارة أن مراحل اللبرلة الاقتصادية في دول مثل تونس ومصر وسوريّة لم تنتج ديمقراطيّة، بل أدت إلى نشوء رأسماليّة قريبة من مفاصل السلطة تستفيد من حمايتها وتسهيلاتها.
لذلك لم تَــقُدْ البرجوازيّة الاحتجاجات السياسيّة والاجتماعيّة في هذه الدول، بل أطلقتها القوى الاجتماعيّة (الفقراء، العاطلون عن العمل، الفئات المهمّشة)، وهي الفئات المتضررة من القمع واللبرلة الاقتصاديّة.
ويعترض عزمي بشارة على التحليل الاختزالي، لبارينغتون مور الذي يحاول تفسير كل شيء بالحسابات الاقتصاديّة المباشرة (مثل موضوع العبوديّة والحرب الأهليّة الأمريكية)، معتبرا أن مور أهمل بعدا حاسما وهو مسألة بناء الدولة الحديثة وفرض السيادة.
ليخلص إلى أنّ العامل الحاسم في نشوء الديمقراطيّة ليس “التحديث” أو “الرأسماليّة” بحد ذاتهما، بل نمط التحديث ودور الدولة فيه، فإذا كانت الدولة تحتكر الاقتصاد وتديره بالكامل، فإنّها تمنع تشكّل قوى اجتماعيّة مستقلة، وتخلق شبكات ولاء شخصي (زبونية) تجعل التنافس السياسي لعبة صفريّة يربح فيها الفائز كل شيء.
فترسيخ الديمقراطيّة في تجربة أوروبا الشرقيّة، هو الذي فرض الانتقال إلى اقتصاد السوق، وليس العكس، حيث لم تكن هناك طبقيّة رأسمالية بالمعنى التقليدي تقود التغيير الديمقراطي.
ويرى بشارة أن تطور المجتمع الرأسمالي الحديث كان قد أدى إلى نشوء “المجتمع الاستهلاكي”، مما تسبب في تراجع الاهتمام بالشأن العام. ومنه تحولت الممارسة السياسية لدى قطاعات واسعة من تداول عقلاني حول القضايا العامة إلى “استهلاك إعلامي” تغلبت فيه النجومية والإثارة والشعبوية، وهو ما يشكل تحديا جديدا لجوهر العملية الديمقراطية.
إذ أثبتت التطورات في الدول الرأسمالية المتقدمة أن الفجوة الطبقية وتكتل مصادر القوة والنفوذ العالي عادت للتركز من جديد. وبالتالي، لا يمكن الارتكان إلى “الديناميكية الذاتية” للنظام الرأسمالي، بل لا بد من التدخل المؤسسي والتصدي الواعي لتوسيع الفوارق الطبقية لحماية الديمقراطية.
ليست العلاقة بين البرجوازية والنظام الديمقراطي علاقة حتمية أو أحادية الاتجاه، بل هي مسار تاريخي مُركّب يخضع لشرطيته الاجتماعية والسياسية، فبينما أسهمت البرجوازية التاريخية في إطلاق مفاهيم الحرية والمساواة ومواجهة امتيازات النظام القديم، أثبتت التجربة أن تشكّلها كطبقة مهيمنة كثيرا ما دفعها إلى التحالف مع الاستبداد لحماية مصالحها الاقتصادية، ليبقى توسيع الحريات وتعزيز الاقتراع العام ثمرة صراعات خاضتها الفئات الشعبية والعمالية.
ومما يتأكد في هذا السياق، أن نموذج نشوء الديمقراطية في الغرب لا يمكن تعميمه كقانون كوني، لا سيما في دول العالم الثالث التي أفضت فيها اللبرلة الفوقيّة إلى إنتاج “رأسمالية محاسيب” تدور في فلك السلطوية.
وعليه فإنّ ترسيخ الديمقراطية واستمرارها لا ينبعان تلقائيا من آليات السوق الرأسمالية، وإنما يتطلبان بناء مؤسسات سياسية مستقلة، واستعادة فاعلية المجتمع، والتصدي المستمر لمراكز القوة والفوارق الطبقية الفاحشة التي تهدد جوهر المشاركة السياسية.
#عزمي_بشارة #azmibishara #azmi_bishara
لقراءة المقال المنشور 🔽
tunigate.net/posts/%D8%A7%D9…
من كتاب "مقالة في الحرية" للدكتور عزمي بشارة:
"إذا كانت الحرية حاجة إنسانية، فإن الإنسان يشعر بألم في غيابها في مجال معين من حياته، ويحولها ذلك قيمة يصبو إليها الإنسان بشكل عام، أي إنه يعتبر فقدان الآخرين لها ظلما، وأن من حقهم أن يكونوا أحرارا. ينطبق هذا على التحرر كشرط الحرية اجتماعيا وسياسيا عبر التغلب على القمع أو تجاوز الحالة التي تقمع فيها حرية البشر كبداية المسعى لتأسيس شروط جديدة لحياة تحترم فيها قيمة الحرية."
#عزمي_بشارة #azmi_bishara #azmibishara
من كتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" للدكتور عزمي بشارة:
"التسامح، ومثله التعايش، الذي يَرد كثيرًا على لسان الطائفيين في عصرنا لا يعني التعددية. وإنّ ما يفترض أن يسود بين الطوائف هو القبول بالتنوع الديني أو المذهبي في الإطار الوطني ضمن الحرية الدينية وحرية الضمير."
#عزمي_بشارة #azmi_bishara
من كتاب "مقالة في الحرية" للدكتور عزمي بشارة:
"وليس المقصود بالوعي اللازم لممارسة الحريات السياسية درجة أكاديمية في هذا الموضوع العلمي أو ذاك، بل المقصود هو الوعي بالمجال العمومي، وبواجبات الفرد وحقوقه، والتعرف إلى معنى احترام حريات الآخرين."
#عزمي_بشارة #azmi_bishara
مكتبة عزمي بشارة retweeted
🎧 ندعوكم إلى الاستماع إلى مختارات من المكتبة الصوتية لـ بودكاست المركز العربي، تتناول قضايا الفكر والتاريخ والأخلاق، بمشاركة نخبة من الباحثين والمفكرين.
🔹 في أولوية الفهم على المنهج | عزمي بشارة
يناقش أولوية الفهم في البحث العلمي، والعلاقة بين المنهج والنظرية وتحليل الظواهر الاجتماعية.
🔗 للاستماع : acr.ps/hBxNM4Z
🔹 المنفى وتشكّل المثقف العابر للإمبراطوريات: تجربة عبد العزيز الثعالبي | أمل غزال
تتناول دور المنفى في تشكيل فكر عبد العزيز الثعالبي ونشاطه الإصلاحي والمناهض للاستعمار.
🔗 للاستماع: acr.ps/hBxNMgK
🔹 مركب أخلاقي حديث للاجتماع العربي | فهمي جدعان
يناقش الحاجة إلى منظومة أخلاقية حديثة تواكب التحولات العلمية والاقتصادية والتقنية في مجتمعاتنا العربية.
🔗 للاستماع: acr.ps/hBxNMtj
🔹 العرب وإيران بين الذاكرة والتاريخ | وجيه كوثراني
يقدم قراءة للعلاقات العربية الإيرانية، تميّز بين الذاكرة الجماعية والتاريخ، وتحذّر من إسقاط صراعات الحاضر على الماضي.
🔗 للاستماع: acr.ps/hBxNMFS
“If there is such a thing as supreme values of liberal democracy, they would be freedom and equality.”
- Dr. Azmi Bishara, Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition (2026)
#AzmiBishara #Democracy
@AzmiBishara
"إن كانت ثمة قيمٌ عليا للديمقراطية الليبرالية، فهي الحرية والمساواة."
- د. عزمي بشارة، من كتاب:
Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition
#عزمي_بشارة #الديمقراطية #الحرية #المساواة
كتاب الدكتور عزمي بشارة حول الانتقال الديمقراطي في النظرية والممارسة بعنوان:
Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition
والذي أصدرته دار نشر جامعة أوكسفورد، نشرت جميع فصوله أيضا على موقع أوكسفورد أكاديميا
@AzmiBishara
#عزمي_بشارة #azmi_bishara
الرابط في الثريد 🔽
رابط الكتاب على موقع أوكسفورد أكاديميا 🔽
academic.oup.com/book/63318
مكتبة عزمي بشارة retweeted
📝 تقرؤون في هذا العدد من دورية #سياسات_عربية دراسة لعزمي بشارة عن لا-أخلاقية السياسة، وملفًا خاصًا عن قضايا الانتقال والهوية وبناء الدولة في سورية ما بعد الأسد، إلى جانب ترجمة ودراسات ومراجعات وعروض كتب.
🔗 للاطلاع على العدد: acr.ps/hBxNMCD
مكتبة عزمي بشارة retweeted
Azmi Bishara's article: "From Amoral Politics to Immoral Politics: The Influence of the Trump Administration".
siyasatarabiya.dohainstitute…
مكتبة عزمي بشارة retweeted
📝 صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا العدد الثاني والثمانون من دورية #سياسات_عربية، التي تُعنى بالعلوم السياسية والعلاقات الدولية. ويتضمّن العدد دراسة لعزمي بشارة عن لا-أخلاقية السياسة والسياسة غير الأخلاقية، وملفًا خاصًا عن قضايا الانتقال والهوية وبناء الدولة في سورية ما بعد الأسد، يتناول الإرث الدستوري، وبناء الدولة والعقد الاجتماعي، وتحولات الهوية الوطنية، وتفكك العقد الاجتماعي، وإعادة تشكيل السلطة. كما يضم ترجمة لدراسة جوان شارب عن جينيالوجيات الجيوبوليتيكا النقدية، إلى جانب الوقائع الفلسطينية، ومراجعة لكتاب "العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح"، وعروض لكتب صدرت حديثًا.
🔗 للاطلاع على تفاصيل العدد: acr.ps/hBxNMCD
مكتبة عزمي بشارة retweeted
حوار فكري مع عزمي بشارة: من الهوية إلى إنتاجها السياسي almodon.com/opinion/2026/10/…
مقالة للدكتورة ليلى نقولا بعنوان:
"حوار فكري مع عزمي بشارة: من الهوية إلى إنتاجها السياسي"
من بين المفارقات الكبرى التي كشفتها العقود الثلاثة الأخيرة، أن العالم لم يتجه نحو تجاوز الهويات كما بشّرت بعض سرديات ما بعد الحرب الباردة، بل نحو إعادة اكتشافها. فبينما افترضت اتجاهات واسعة في الفكر السياسي والعلاقات الدولية أن العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل واتساع شبكات الاتصال، سوف تقلّص أهمية الانتماءات الجماعية، عادت القوميات والذاكرات التاريخية والسرديات الحضارية لتحتل موقعًا متقدمًا في السياسة العالمية.
غير أنّ هذا التحوّل لا يعني الانتقال من اختزال السياسة في المصلحة القومية إلى اختزالها في الهوية الوطنية. فكما بالغت الواقعية الكلاسيكية في ردّ السلوك السياسي إلى القوة والمصلحة، وأغفلت الأبعاد الثقافية والهوياتية، تميل بعض القراءات المعاصرة إلى الوقوع في الاختزال المعاكس، عبر التعامل مع الهوية وكأنها المفتاح التفسيري الشامل لأزمات العالم المعاصر. تفترض تلك القراءات، ضمنًا، أن الجماعات والدول تمتلك هويات سابقة على السياسة، وأن هذه الهويات تفسر سلوكها بدل أن تكون هي نفسها موضعًا للصراع وإعادة الإنتاج.
انطلاقاً مما سبق، يصبح الحوار النظري مع عزمي بشارة مهمًا، ليس لأنه يقدّم نظرية جديدة في العلاقات الدولية، بل لأنه يفرض قيودًا نظرية صارمة على الاستخدام الفضفاض لمفهوم الهوية نفسه.
في دراسته "تأملات في مسألة الهوية" (2022)، ثم في كتابه اللاحق "مسألة الهوية" (2026)، يطوّر عزمي بشارة مقاربة للهوية تنأى بها عن الجوهرانية من جهة، وعن التوسع التفسيري المفرط من جهة أخرى. ولذلك يحذّر من أحد "منزلقات" البحث في الهوية، والمتمثل في توسيع نطاقها التفسيري إلى حد يحجب العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى. فليست كل أزمة دولة أزمة هوية، كما أن هشاشة الدول أو اضطراب المجتمعات لا يمكن ردّها تلقائيًا إلى أزمة انتماء أو اعتراف.
يميّز بشارة تمييزًا حاسمًا بين الانتماء والتصنيف: أن يُصنَّف الفرد ضمن جماعة لا يعني بالضرورة أن هذا التصنيف أصبح جزءًا من وعيه بذاته أو عنصرًا في تعريفه لنفسه. فالهوية، في معناها التحليلي لا تُختزل في ما يقوله الآخرون عنا، بل تتعين في الكيفية التي يتحوّل بها الانتماء إلى جزء من فهمنا لأنفسنا.
تكمن أهمية هذا التعريف في أنه يُخرج الهوية من دائرة البديهيات، فالهويات لا توجد كحقائق مستقلة عن البشر الذين يتبنونها. ولذلك يصرّ بشارة على أن "نحن" ليست ذاتًا جماعية قائمة بذاتها، بل تعبير عن اشتراك ذوات فردية في انتماء ما. ويعتبر أن الأمة ليست ذاتًا فوق الأفراد، ولا الشعب عقلًا جماعيًا يفكر خارجهم. وهنا تكمن إحدى أكثر مساهمات بشارة النظرية أهمية؛ لأنها تمنع تحويل الجماعات إلى كيانات ميتافيزيقية تتصرف خارج التاريخ وخارج السياسة.
غير أن هذا التعريف يفتح أسئلة تتجاوز الحقل الذي طُوّر فيه أصلًا. فإذا كانت الهوية مرتبطة بوعي الذات بانتمائها، وإذا كانت "نحن" لا تشكل ذاتًا مستقلة عن الأفراد، فكيف يمكن لنا الحديث عن مفاهيم من قبيل "هوية الدولة" أو "كرامة الدولة" أو "شعور الدولة بالإذلال"؟
في العقود الأخيرة، تعامل جزء مهم من أدبيات العلاقات الدولية، ولا سيما المقاربات البنائية منذ ألكسندر وندت، مع الدول بوصفها فواعل اجتماعية وسياسية تتشكل هوياتها وأدوارها تفاعليًا، وتؤثر هذه الهويات والأدوار في تعريف مصالحها وسلوكها. غير أن مقاربة بشارة للهوية تفتح أسئلة إضافية حول هذا الاستخدام التحليلي نفسه. هذا لا يعني أن المقاربات البنائية تفترض وعيًا فرديًا للدولة بالمعنى النفسي، بل إن السؤال هو ما إذا كان الانتقال من هوية الأفراد إلى "هوية الدولة" يحافظ على الشروط المفهومية نفسها التي تجعل الحديث عن الهوية ممكنًا أصلًا.
وعليه، وإذا كانت الهوية، وفق هذا التصور، مشروطة بوعي الذات بانتمائها، فإن إسناد هوية إلى الدولة يقتضي التساؤل عن طبيعة الفاعل الذي تُنسب إليه هذه الهوية، وعن الكيفية التي تُنتَج بها التعريفات المقدَّمة بوصفها "هوية وطنية"، وعن القوى والفاعلين الذين ينجحون في تعميمها وتقديم أنفسهم ممثلين لها. وعندئذ لا يعود السؤال مقتصرًا على ماهية هوية الدولة، بل يمتد إلى الكيفية التي تُبنى بها هذه الهوية، ومن يملك القدرة على تعريفها بوصفها هوية وطنية، وكيف تكتسب هذه التعريفات شرعيتها بوصفها تعريفًا وطنيًا مشروعًا.
وتفضي تلك المقدمات إلى مجموعة من الأسئلة النظرية التي لا تقع في صلب مشروع بشارة، لكنها تنبثق منطقيًا من مقدماته. فالدولة ليست فردًا كبيرًا، وليست ذاتًا جماعية بالمعنى الذي ينفيه بشارة نفسه، ولا حتى ذاتًا موحدة بالمعنى الذي يسمح بإسقاط مفاهيم الوعي والانتماء عليها بصورة مباشرة. وفي نصه، يذهب بشارة صراحة إلى أن نسبة الهوية إلى المؤسسات والدولة والشعوب لا تكون إلا "بالمعنى المجازي المستعار من استخدام اللفظ في الحياة اليومية" عندما يُقصد بها تعريف أو تصنيف يضفي على الكيان صفات يُنظر إليها بوصفها جوهرية.
وفي هذا السياق، حين يجري الحديث عن إهانة روسيا، أو استعادة الصين لمكانتها، أو عقدة الذاكرة التركية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: من الذي يشعر فعلًا بهذه الإهانة أو الحاجة إلى الاعتراف؟ هل هي الدولة بوصفها جهازًا؟ أم النخب الحاكمة؟ أم جماعات اجتماعية بعينها؟ أم خطاب سياسي ينجح في تقديم نفسه ممثلًا للجماعة الوطنية؟
إذاً، الدولة ليست فقط حاملة لهوية، بل ساحة لإنتاجها وتحديد حدودها وإعادة ترتيبها، كما أنها جهاز قادر على منح بعض تعريفات الانتماء شرعية مؤسسية، وعلى تهميش تعريفات أخرى. ولعل إحدى النتائج النظرية غير المستثمرة بالكامل في كتابات بشارة أنه يدفعنا إلى الانتقال من سؤال "ما الهوية؟" إلى سؤال "كيف تُنتَج سياسيًا؟". فبمجرد رفض التعامل مع الهوية بوصفها معطى جاهزًا أو جوهرًا ثابتًا، يصبح من الضروري تتبع المسارات والمؤسسات والقوى التي تمنح بعض تعريفات الانتماء قدرة على التعميم والتمثيل.
عملياً، لا تظهر الهوية الوطنية من فراغ، بل تمر عبر وسائط من المؤسسات والتعليم والإعلام والذاكرة العامة والرموز والنخب السياسية والثقافية. وما يُقدَّم أحيانًا باعتباره "هوية وطنية" ليس سوى نتيجة مؤقتة لتوازنات اجتماعية وسياسية نجحت فيها سردية معينة في فرض نفسها بوصفها التعبير المشروع عن الجماعة. وهنا تعود مسألة القوة إلى الواجهة، لا باعتبارها نقيضًا للهوية، بل بوصفها أحد الشروط التي تحدد أي الهويات ينجح في التحول إلى تعريف سياسي مشروع في فترة زمنية معنية.
وتفضي هذه الخلاصة إلى سؤال موازٍ للسؤال الذي شغل أدبيات الهوية طويلًا: فإلى جانب التساؤل عما تفعله الهوية بالسياسة، يبرز التساؤل عما تفعله السياسة بالهوية نفسها. فالهويات ليست مجرد موارد تعبئة تستخدمها القوى السياسية، وإنما هي أيضًا نتاج لعمليات تعبئة وصراع وإنتاج معنى. أي أن النخب لا تستثمر الانتماءات القائمة فحسب، بل تعيد تعريفها وترتيبها وتحديد ما يدخل في "نحن" وما يُدفع إلى موقع "الآخر".
لذلك لا يكفي القول إن روسيا تتحرك انطلاقًا من تصورها لدورها التاريخي ومكانتها الدولية، أو إن الصين تسعى إلى استعادة مكانتها الحضارية. فهذه العبارات تفترض أن الهوية قائمة سلفًا بوصفها مصدرًا مباشرًا للسلوك السياسي. أما المهمة التحليلية الأكثر صعوبة فتتمثل في فهم الكيفية التي جرى من خلالها إنتاج هذه الهوية وترسيخها ومأسستها، ومن يملك حق تعريفها، وكيف تتحول إلى مصدر شرعية للفعل السياسي.
هنا يتجاوز الحوار مع بشارة مسألة الهوية ذاتها ليصل إلى قلب السياسة نفسها. فالهوية ليست بديلًا عن القوة، كما أن القوة ليست بديلًا عن الهوية. الأولى تمنح الثانية المعنى والشرعية والقدرة على التعبئة، فيما تسهم الثانية في تحديد أي الهويات تصبح مرئية وأيها يُهمَّش، وأي السرديات تتحول إلى روايات وطنية رسمية وأيها يُدفع إلى الهامش.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن أهمية مشروع عزمي بشارة في تقديم تفسير جاهز للسياسة الدولية، بل في توفير جهاز مفاهيمي يسمح بإعادة النظر في بعض المسلمات التي يقوم عليها توظيف مفهوم الهوية في التحليل السياسي. أي بمعنى أنه لا يعود السؤال الأكثر أهمية: هل تكفي الهوية لفهم السياسة الدولية؟ بل يصبح: كيف تتحول بعض الانتماءات إلى هويات قابلة للتمثيل السياسي؟ وكيف تنتج علاقات القوة الهويات التي تدّعي لاحقًا أنها تفسرها؟ وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح الحوار مع بشارة منتجًا، لا لأنه ينتهي إلى تبني أطروحاته، بل لأنه يفتح بابًا لمساءلة العلاقة الملتبسة بين الانتماء والسلطة، وبين الاعتراف والقوة، وبين إنتاج الهوية وإنتاج الجيوبوليتيك ذاته.
وربما تكمن القيمة الأبعد لهذا الحوار في أنه لا ينتهي عند حدود مفهوم الهوية نفسه. فكلما ازداد المفهوم دقة في الحقل الذي نشأ فيه، ازدادت أهمية اختبار شروط انتقاله إلى حقول أخرى. وبالتالي، لا تتمثل مساهمة بشارة في الأجوبة التي يقدّمها والفجوة المفاهيمية التي يسدّها فحسب، بل أيضًا في الأسئلة التي يتيح طرحها خارج مجال اشتغاله الأصلي. وهكذا يبدأ الحوار الفكري الحقيقي: لا حين تُستعار المفاهيم كما هي، بل حين تُؤخذ بجدية كافية لإنتاج أسئلة جديدة انطلاقًا منها.
@lnicolasr
@AzmiBishara
#azmi_bishara #عزمي_بشارة
لقراءة المقال المنشور 🔽
almodon.com/opinion/2026/10/…
لقراءة المقال المنشور 🔽
almodon.com/opinion/2026/10/…
مكتبة عزمي بشارة retweeted
كتاب الدكتور عزمي بشارة حول الانتقال الديمقراطي في النظرية والممارسة بعنوان Arduous Paths: On the Theory and Practice of Democratic Transition والذي اصدرته دار نشر جامعة أوكسفورد، نشرت جميع فصوله أيضا على موقع اوكسفورد أكاديميا: academic.oup.com/book/63318
مقال للوزير والنائب اللبناني السابق غازي العريضي بعنوان:
"شكراً قطر... شكراً عزمي بشارة"
قال عزمي بشارة، في أولى ندوات وزارة الثقافة القطرية في الدوحة: "آن للعرب أن ينتجوا المعرفة بدل الاكتفاء بنقد الفكر الغربي. أردنا من تأسيس المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بمعايير حقيقية أن يحظى بالاحترام من خلال مشاريعه البحثية ومؤثراته ودورياته ليصبح واحداً من أهم مراكز البحث في المنطقة وليس فقط في العالم العربي. أصبحنا أكثر جرأة وشجاعة للتقدّم بخطوات واثقة مع مراجعة نقدية لإنشاء مشاريع ثقافية ضخمة". وفي تطرّقه إلى أهمية دور الذكاء الاصطناعي وضرورة بناء مشاريع في إطار التعامل معه مقابل تقدّم غربي كبير، قال: "المهمة الأساسية ليست منافسة الغرب على المستوى العالمي، الهاجس الآني الذي يخص المجتمع العربي أن الذكاء الاصطناعي أداة تحتاج إلى محتوى يجب العمل على توفيره حتى يصبح لهذه الأداة أهمية وننجح في توفير الأمن المعرفي للباحثين فيه. الشرط الأساسي للإنتاج الفكري، إلى جانب الكفاءة والموهبة والاجتهاد، يكمن في أمرين: النزاهة الأخلاقية والنزاهة العقلية، وهل يستحق الإنسان اسم مفكّر إذا لم يكن لديه موقف من الظلم"؟
قال وزير الأمن الإسرائيلي الإرهابي بن غفير "عزمي بشارة تحوّل إلى شخص يوجّه الصواريخ نحو إسرائيل وفرّ من القانون الإسرائيلي". والعضو السابق في الكنيست ورئيس محكمة الليكود ميخائيل كلاينر كتب تقريراً في صحيفة معاريف تحت عنوان: "المعركة على أميركا. هكذا سنفشل مشروع عزل دولة إسرائيل الذي يقوده عضو الكنيست السابق عزمي بشارة، العدو الأكثر خطورة من أردوغان وخامنئي معاً"... "هو أخطر على إسرائيل من تركيا وإيران معاً. له تأثير كبير في المزاج العام الأميركي وتنامي أصوات ترى إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة". وأضاف: "من رسّخ العلاقات القائمة على التعاون الاستراتيجي على قاعدة تخدم إسرائيل هم الجمهوريون. ولكن القناعة تسللت بأن الأسس التي بدت عميقة وصلبة بدأت تتآكل. القاعدة التي اعتبرت غير قابلة للزعزعة أصبحت تقف على رجل واحدة، سواء في الحزب الجمهوري بين الشباب أو في الحزب الديمقراطي. لم تعد إسرائيل موضوعاً لتأييد غير قابل للنقاش. كانت هناك حالة تراخٍ إسرائيلية لا تغتفر على مرّ السنوات الماضية. التدهور ليس مصادفة. نحن أمام منظومة ذات تنظيم وتخطيط لعدو يتمتع بالعزيمة والموهبة والتركيز، ولديه نفس طويل يعمل بدهاء وصبر لتقويض ما يراه الدعامة التي لا بديل لها لدولة إسرائيل. لهذا العدو اسم ووجه موجود في قطر ولا يمكن عدم رؤية بصمات العقل المدبّر والمخطّط والموجّه للجهد القطري، عزمي بشارة". "إنها إمبراطورية الشر. ويجب تشخيص المرض بشكل صحيح".
هستيريا، جنون، انفعال في إسرائيل ضد شخص. لماذا؟ لأنه دعا إلى اعتماد العقل والنزاهة الأخلاقية والنزاهة العقلية في مسيرة الإنتاج الفكري؟ وهذا بطبيعة الحال يتناقض مع الحالة الإسرائيلية. شخص يعتبر أخطر من إيران وتركيا معاً... كيف؟ من يصدّق؟ هو لا يملك أسلحة نووية ومصانع أسلحة متطورة، وكيماوية، ولا مسيّرات وقذائف مرعبة وطائرات عملاقة تخترق التحصينات ولا تقهر، ولا يخوض حرب تسلّح، ولا يحتل أرضاً، ولا ينادي بمشروع توسّعي استعماري يبنى على أنقاض أراضي الآخرين ودماء أهلها. ومع ذلك، يعتبرون أنه يطلق الصواريخ على إسرائيل. هذا اعتراف بالفشل كما قال كلاينر. رغم كل الآلة العسكرية التي تملكها أميركا وإسرائيل معاً. سلاح الكلمة. فعل الكلمة. ونشر الفكر بنزاهة، والإنتاج والتفاعل مع الآخر ومحاورته والتركيز على الوقائع والحقائق أقوى وأمضى من كل الأسلحة التي استخدموها ويستخدمونها باعترافهم.
عزمي بشارة مواطن عربي، لا يملك خلايا نائمة هنا وهناك وأذرعاً متحرّكة على ساحات ومساحات شاسعة في المنطقة، تعمّم الفوضى، أو تمارس الإرهاب كما يقولون. خلاياه واعية حقيقة الصراع، مستنداتها العقل والبحث والعمل المؤسّساتي. هي متحركة علمياً فكرياً ثقافياً لغوياً أدبياً بحثياً في حال استنفار دائم لمتابعة كل ما يخدم قضايا العدالة والإنسانية والقانون والحق والتطور والعلم ومواكبة سرعة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي وتأثيره في كل مسارات حياتنا وخياراتنا. مصانعه كتب، أصوات، صور، وثائق، معلومات، علوم، معاجم، دراسات، أفكار، أبحاث... وأهدافه صناعة الرأي العام، تحريكه، مواكبته، والاستفادة منه في تثبيت حقيقة الصراع والدفاع عن الهوية والانتماء والأرض.
ليس عزمي بشارة رئيس دولة كبرى تملك قوة عسكرية أمنية مخابراتية دبلوماسية سياسية تهدّد أمن ومستقبل ومصير دول أخرى وخصوصاً إسرائيل وقوتها وإمكاناتها التكنولوجية والدعم الأميركي الغربي وبعض العربي لها. ليس عضواً في الكونغرس أو رئيس بلدية في نيويورك أو غيرها في أميركا أو سيكون عمدة برلين المقبل. نعم هو ساهم في "معركة الوعي" و"بقاء الذاكرة حية". ولكنه ليس المحرّك والمسؤول عن التحرّكات الطلابية في الجامعات الأميركية، والتحولات البريطانية تجاه إسرائيل، ومقاطعة منتجات المستوطنات، والأزمة بين دولة وعدت ببلفور، فقامت إسرائيل وثمة خلاف بينهما اليوم. ليس مسؤولاً عن مواقف حكومات إسبانيا وأيرلندا واعتراف فرنسا بدولة فلسطين، وعن خروج وفود 77 دولة من قاعة الأمم المتحدة قاطعت كلمة نتنياهو. هو ليس مسؤولاً عن حركة الفنانين العالميين وهم يجمعون ملايين الدولارات من حفلاتهم ويقدمونها مساعدات للشعب الفلسطيني وصوت واحد يظلّل الحفلات: "فلسطين حرّة"، وعلم واحد يرفع "علم فلسطين". ليس مسؤولاً عن قرارات الحرب ضد إيران ولبنان والإبادة في غزّة ومنح جائزة نوبل للسلام قبل أيام لقاضية أكدت هذا، ولا عن الحملة التي ترفض الدعوة إلى احتلال وضم أجزاء من لبنان وسورية والسعودية والأردن ومصر والعراق بناء على "وعود إلهية". وليس مسؤولاً عن السجالات والانتقادات الحادة ومشكلة ترامب الجادّة مع بعض الإعلام الأميركي، وصولاً إلى منع دخول ممثلي مؤسّسات إلى البيت الأبيض، ونقض المحكمة المختصة القرار. لقد ضاق العالم بممارسات إسرائيل. لم يعد أحد قادراً على تحمّل ممارسات جيشها ووزرائها وطريقة تعاملهم مع الفلسطينيين. هذا هو "التشخيص الصحيح للمرض" الذي دعا إليه كلاينر واعتبره خطوة ضرورية للعلاج.
عزمي بشارة ذكي، قادر، مؤثر. اختار طريق الكلمة والفكر والمتابعة الجدية. استند إلى القناعة والإرادة والعزيمة والتجربة والخبرة العملية. توفرت له الإمكانات، فعرف كيف يستفيد منها لمعالجة المرض ومواجهة المسؤول عنه وعن الكوارث، فاعتبر كلاينر أنه تمكن من حفر شبكة أنفاق إلى الرأي العام الأميركي والأوروبي أخطر بكثير على إسرائيل من "أنفاق حماس"! ويعتبر هذا التوصيف والتصنيف تهديداً مباشراً لعزمي بشارة، حماه الله. وإسرائيل هي إسرائيل، فعندما يصل موقفها إلى حد تقدير "خطر" شخص إلى المستوى الذي عبّر عنه كلاينر وغيره من المسؤولين الإسرائيليين، لأنه بات يملك هذه الصدقية والرصيد في تعقّبها ومحاصرتها وفضحها وتعبئة الرأي العام والتأثير في طريقة تفكيره فهي لا تتورّع عن القيام بأي عمل، فكيف وهي تتهم قطر بالوقوف وراء عزمي بشارة ومؤسّساته، وتعتبرها دولة تشكل خطراً كبيراً عليها، رغم ما قامت به من أدوار ووساطات، وساهمت في الوصول إلى اتفاقات وحلول لمشكلات كثيرة بشراكة مع أميركا. المكابرة الإسرائيلية، رغم اعتراف نتنياهو ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي بأن "خسارة معركة الوعي" تعود إلى مزيد من العنصرية والتطرّف. ويختم كلاينر هجومه على عزمي بشارة بالقول: "... حان وقت الحرب بلا هوادة على الرأي العام. حان الوقت لتجنيد المنظمات اليهودية وأصدقائنا الإنجيليين وخبراء شبكات التواصل الاجتماعي في الحرب المصيرية على الرأي العام التي هي الآن ليست أقل من معركة وجودنا".
إذا كان شخص واحد قد فعل هذا كله، فماذا لو تحرّك أفراد وجماعات، وثمّة كثر في مجتمعاتنا لديهم الإرادة والقناعة، وسلكوا درب "النزاهة الأخلاقية والفكرية"، واعتمدوا عمل المؤسّسات واحتكموا إلى العقل، وتوفّرت لهم الإمكانات المطلوبة؟ ماذا يمنع الدول الأخرى غير قطر من القيام بما تقوم به؟ ماذا لو أنفق العرب القليل مما لديهم على هذا الخيار ومما ينفقونه على حروبهم وتقاتلهم على أراض عربية؟ ماذا لو سلكوا طريق التعقّل وحسن التدبير والتقدير، والمراجعة النقدية والاستفادة من دروس الماضي وعبره وتجاربه، والإقلاع عن التهوّر والتسرّع والغرور والمكابرة والادعاء والاستقواء والدخول في حروب تدمّر ما تبقّى من إمكانات لديها، كان يمكن استخدامها في تجارب تتكامل مع تجربة عزمي بشارة ودعم قطر له؟ ألا يكون ذلك أفضل وأهم وأضمن من الاتكال على الآخر والبقاء تحت رحمة ابتزازه وشروطه، واستجداء الحمايات وتوسّل شراء الأسلحة من جهات توجّه يومياً الإهانات لهم ولا تلتزم بوعود؟ سلاح الكلمة والفكر والبحث والعلم والمعرفة والوضوح في الرؤية لا يكلف شيئاً قياساً على كلفة الحروب والأوهام والخيبات المتتالية التي نراها اليوم مع كل التحالفات والمعاهدات المعلنة "والقرارات الجامعة" من جامعة لم تعد فعلياً موجودة للأسف، بسبب السياسات المذكورة والمعتمدة.
في الختام تحية وكلمة حق: "شكراً قطر، شكراً عزمي".
@AzmiBishara
#عزمي_بشارة #azmi_bishara #غازي_العريضي













