معاذ الحلاف (@Bhrrr4) header
معاذ الحلاف (@Bhrrr4) profile picture

محام ومستشار مرخص، ماجستير فقه، محب للكتاب والكتابة.

مكة المكرمة, المملكة العربية السعودية
Joined October 2011
Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)Photo by معاذ الحلاف (@Bhrrr4)
كلما تقدم العمر، تقادم فكر المرء ونضج وعيه، ومن ذلك حب الوطن ورعاية الإنتماء والحرص على وحدة الصف والذود عن كل ما يفرق إجتماع الكلمة وإستقرار الأمن.
4
2
27
46,595
تخيل لو أن يوماً من عمرك امتد في شعورك حتى غدا سنة كاملة، كيف كنت ستقضي شهور صباحه حتى آخر شهر من مسائه؟ إن اليوم الذي يمر في وعيك كساعة عابرة، هو في ميزان الآخرة حياة حافلة بالمصائر! تتسع ساعاته لصلاة وصدقة وذكر ودعاء، وتختزن لحظاته من أسباب النجاة ما لا تحيط به المقاييس. ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟! إن دقيقة واحدة قد تتسع لتوبة صادقة، يمحو الله بها خطايا عمر، وينقل بها عبداً من استحقاق الخلود في النار إلى رجاء الخلود في الجنة! دقيقة، ولربما أقل، قد تكون فصلاً بين مصيرين أبديين! فأي شيء هذا الذي نسميه عبثاً وقت ممل؟ وأي غبن أعظم من التفريط في لحظاته التي قد يتقرر بها مصير الخلود بين درجاته ودركاته؟!
1
160
من كان يظن أن امرأة معدمة، تتوسد العزلة على أطراف هجرة نائية، قد انقطعت بها أسباب العيش، ستبصر بعينيها الذابلتين تفاصيل حياة مترفة، تتقلب في زينة الدنيا خلف أسوار مدائن فائضة البذخ، متطاولة البنيان، فتستيقظ في نفسها رغائب لم تكن تعرفها، وتثور في صدرها أسئلة لم تكن لتخطر لها على بال! ومن كان يظن أن ماردا من مشردي المهجر البعيد، تفصل بينه وبين ديار الإسلام بحار وقفار، سيجد إلى طفل يتهادى في رياض الطهر وكنف الإيمان سبيلاً يناجيه من خلاله، ويخالط أفكاره، ويعبث بفطرته، ويزاحم أبويه على عقله ووجدانه وهما إلى جواره! ومن كان يظن أن جاهلا مغمورا، لم يعرف للعلم بابا، سيجلس خلف شاشة صغيرة لينازع عالما تفرعت من مسائله مسائل، وأفنى عمره بين النظر والتحقيق والتعليم، ثم يجد ذلك الجاهل من يصغي إليه، ويحتفي بجهله، ويجعله ندا لمن لا يبلغ عشر معشار علمه! إنها مشاهد كانت بالأمس من غرائب التصورات، فأصبحت اليوم من مألوف الوقائع، وما أعظم ما تنذر به من انقلاب الموازين، وسقوط الحواجز، واختلاط العقول والثقافات والمفاهيم! لقد جاءت وسائل التواصل فطوت الأرض طيا، وجمعت أطراف العالم في فضاء واحد، وفتحت البيوت على ما وراء البحار، حتى صار البعيد حاضر، والغريب مؤثر، والمجهول مألوف، وأصبح الإنسان يتلقى من وراء الشاشات ما لم يكن ليبلغه لو قطع الأرض طولا وعرضا. وهنا تكمن المفارقة؛ فقد ألغت هذه الوسائل المسافات، لكنها لم تلغ تفاوت العقول واختلاف النفوس وتناقض القيم، وإنما جمعت المتباينات في وعاء واحد، وأزالت الحواجز التي كانت تحول دون تأثير بعضها في بعض. فأصبحت عين الفقير معلقة بما في يد الغني، وعقل الناشئ مكشوفاً لكل عابر، وصوت الجاهل مزاحماً لصوت العالم، وغدت الشهرة تمنح صاحبها من السلطان ما لم يمنحه العلم والأدب، وحسن العرض مقدماً على صحة المعروض! ثم تجاوز الأمر تبادل الأخبار والمعارف إلى صناعة الرغائب، وإعادة تشكيل القناعات، حتى غدى المرء يقيس واقعه بصور منتقاة، ويزن أفكاره بأصداء الجماهير، ويستمد تصوراته ممن لا يعرف عنهم شيئاً سوى ما أرادوا إظهاره. وهكذا اختلطت الثقافات والمفاهيم اختلاطاً لم تتهيأ له كثير من النفوس، كمن جمع في إناء واحد ماء وطيباً وعسلاً ونجاسة، ثم رجا من اجتماعها شرابا سائغاً! وما علم أن اجتماع الأشياء لا يقتضي صلاحها، وأن إزالة الحواجز بينها قد تفسد طهرها وطهارتها ومنافعها وتذهب بخصائصها. وليس الخطر في اتصال الأمم وتبادل المعارف، وإنما في سقوط معايير التمييز بين الحق والباطل، والعلم والجهل، والنافع والضار، حتى أصبح كل متداول جديراً بالتصديق، وكل مشهور أهلاً للتصدر والاقتداء. وإن من أعظم فتن هذا العصر أن يبلغ التأثير بالإنسان مبلغاً يحسب معه أنه يفكر بعقله، ويختار بإرادته، ويحكم بقناعته، وقد سبقه غيره إلى صياغة مقدمات تفكيره، وتزيين موضوع اختياره، وتحديد معايير أحكامه! فما أحوج الإنسان اليوم إلى أن يسترد سلطان عقله من ضجيج العالم ولوثته، ويحفظ على قلبه إيمانه، وعلى نفسه فطرتها، وعلى بيته خصوصيته؛ فإن انفتاح الأبواب لا يستلزم إسقاط الحراسة، واتساع المعرفة لا يغني عن سلامة البصيرة، وسلامة البصيرة لا تغني عن التمسك بحبل الله والاستعانة به والالحاح عليه بالرشد والهداية والثبات.
1
419
أما عن أشراط الساعة ومقدمات الفتن، فمن الخطأ أن يتصور المرء أنها تأتيه دائما في صور منكرة، مكتملة المعالم، ظاهرة القبح، بحيث يعرفها من أول وهلة، وينفر منها بمجرد رؤيتها؛ فإن من الفتن ما يتسلل إلى حياة الناس تسلل الماء في الشقوق، يبدأ كحادثة عابرة، أو فكرة مستغربة، أو ممارسة مستهجنة، ثم لا يلبث أن يتكرر حتى تألفه النفوس، وتعتاده الأبصار، وتستسيغه العقول، ثم يستحكم في الوعي الجمعي حتى يغدو جزءاً من ثقافة المجتمع، ومعياراً يحتكم إليه، وقيمة يدافع عنها، وربما عقيدة يوالى ويعادى عليها! وهنا تبلغ الفتنة مبلغها؛ حين تنقلب الموازين، فيصبح المنكر مألوفاً، والمعروف مستنكراً، ويغدو المتمسك بما كان عليه الناس من الحق موضع تندر وسخرية. بينما يتصدر أهل الباطل مجالس الوعظ والإرشاد، ويعيدون تعريف الفضيلة والرذيلة، والاستقامة والانحراف، على مقتضى ما استقر في نفوسهم من مفاهيم أفسدها الجهل، وزينتها العادة، وأضفت عليها الكثرة وهما من المشروعية. وحينئذ تضيق الدائرة على المؤمن البصير، وتشتد عليه غربة الحق، حتى ربما نظر إلى تقلب الناس من حوله، وإجماعهم على ما كان بالأمس منكراً، فداخلته الوحشة، وخشي على نفسه أن يكون قد أخطأ الفهم، أو تخلف عن ركب الصواب؛ لا لقوة حجة القوم، وإنما لشدة ما يرى من اجتماعهم على خلاف ما يعلم. وهنا يظهر عظيم الافتقار إلى الله، وتتجلى حقيقة الابتلاء؛ فالثبات على الحق ليس ثمرة الذكاء وحده، أو نتيجة سعة اطلاع، أو مكافأة لازمة لمن عرف الدليل، وإنما هو توفيق من الله ورحمة، يؤتيهما من يشاء من عباده. وكم من صاحب علم أضلته الفتنة، وذي فطنة استدرجته الألفة، ورجل كان يحذر غيره من أبواب الضلال، ثم أصبح يدعو الناس إليها، ويخاصم من أجلها! فتأمل كيف تتحول الفتنة من أمر يحذره الناس إلى واقع يتعايشون معه، ثم إلى ثقافة يتفاخرون بها، ثم إلى ميزان يحاكمون به من أنكرها! وتأمل كيف ينسلخ المرء من بعض ما كان يعتقده، لا عن حجة أقنعته، وإنما عن طول مخالطة، وكثرة مشاهدة، وخوف من مخالفة السائد، حتى ينتهي به الأمر إلى الدفاع عما كان يستعيذ بالله منه. ومن الغفلة أن يظن الإنسان أن مجرد معرفته بأشراط الساعة وأحاديث الفتن كاف لعصمته منها، فقد يعرف المرء الفتنة باسمها، ثم يقع في حقيقتها حين تأتيه في صورة لم يألفها، أو تحت شعار يستحسنه، أو من باب شهوة توافق هواه. ولهذا كان سؤال الله الثبات، ولزوم الوحي، ومحاسبة النفس، والاستعانة بالله، من أعظم أسباب النجاة؛ فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والسعيد من لم يغتر بعقله، ولم يستوحش من قلة السالكين طريق الحق، ولم يجعل كثرة الناس حجة على ما استبان له من الهدى.
2
228
ما فظاظة بعض الناس إلا كشراسة قطة استبد بها الخوف من غريب تجهل نواياه، ولا تأمن تصرفاته؛ فتستقبل اقترابه بالمخالب، لا رغبة في الأذى، وإنما اتقاء لما تتوهمه من خطر. وهذه غريزة فطرية جارية في كثير من الكائنات، والإنسان ليس بمنأى عنها؛ فقد تكون وراء الجفوة خشية، وخلف الحدة ريبة، وفي ثنايا الفظاظة نفس تتوجس مما تجهل أكثر مما تضمر العداوة. ومن هنا كانت الحكمة في التعامل مع الناس تقتضي التعريف بالنفس، والإفصاح عن النوايا، وبيان المقاصد من وراء الطلب، وإيضاح ما تدعو الحاجة إلى إيضاحه في ثنايا الحديث والتواصل؛ بما يبعث الطمأنينة، ويؤنس النفس، ويبدد الريبة، ويفسح لحسن الظن أن يحل محل سوئه. وربما أخطأنا حين حملنا جفاء الآخرين على سوء طباعهم، وغفلنا عما يختبئ وراءه من خوف وتوجس؛ إذ قد تكون كلمة مطمئنة، أو نية معلنة، أو مقصد واضح، كفيلة بأن تستحيل معها الشراسة إلى ألفة، والريبة إلى ثقة، والجفوة إلى مودة.
230
ثمة عالم مواز لا تعرف عنه شيئاً، ولا يخطر لك على بال ما يدور في دهاليزه من خبث ومكر ومؤامرات والممارسات تشيب لها الولدان. عالم لا يظهر للناس منه إلا ما عجز أصحابه عن إخفائه، ولا تتسرب من أسراره إلا شذرات تكشف عن أهوال ما وراءها. وما فضائح إبستين إلا ثقب صغير أطل منه الناس على شيء من ذلك العالم المظلم، فإذا بهم أمام صور من الانحطاط والإجرام والاستغلال البشري تتجاوز حدود التصور، وتثير من الأسئلة عن خفايا النفوذ والمال والسلطة ما هو أعظم من الفضيحة نفسها. لا تظن أن كل فكرة شاذة تقفز فجأة في المجتمعات، أو انقلاب على المفاهيم والقيم، إنما ولد عفوياً في أروقة منظمة حقوقية، أو نشأ بريئا في ناد أدبي. فثمة أفكار تطبخ بليل، وتصنع لها الحواضن، وتهيأ المنابر، وتسخر لترويجها الأموال والنفوذ، حتى يصبح ما كان بالأمس منكرا مستهجن العقل والفطرة رأياً محترماً، ثم حقا مطالباً به، ثم معياراً يحاكم الناس به وإليه! لكن الخطورة الحقيقية ليست فيما يحيكه أولئك في الخفاء، وإنما فيما تمارسه أنت في العلن! نعم أنت! وقد وجدت نفسك يوم القيامة وقد حشرت معهم! رغم أنك لم تجالسهم يوماً، ولم تشاركهم جرائمهم، وربما لم تسمع بأسمائهم، ولا علمت بشيء مما كانوا يحيكونه في الخفاء! ولكنك كنت في الدنيا محامياً عن أفكارهم، مدافعاً عن انحرافاتهم، متلمسا لمنكراتهم المعاذير، مخاصماً لكل من تصدى لهم، ساخراً ممن يحذر من مشاريعهم، مستميتا في تبرير ما يروجونه من مفاهيم تهدم الدين والفطرة والأخلاق. لم تكن تعرف حقيقة ما يجري، ولكنك كنت تتكلم بثقة من يعرف كل شيء! ولم تكن مطلعاً على مقاصدهم، ولكنك كنت تجزم ببراءة مقاصدهم! ولم تكن تملك من العلم ما يؤهلك للحكم على عواقب أفكارهم، ولكنك كنت تسارع إلى تسفيه من يحذر منها! وما حملك على ذلك كله إلا زهوك بعقلك، وافتتانك برأيك والظهور كمفكر متفرد، وإنسان متحرر من الموروث، متعالي على العامة، لا تنطلي عليه نصائح العلماء، ولا تستوقفه مواعظ الناصحين والمصلحين. حتى أصبحت جندياً في معركة لم تفهم حقيقتها، ومحامياً عن مشروع لم تدرك غايته، ولساناً ينطق بما يريد أصحابه دون أن يكلفوا أنفسهم عناء استئجارك! ويا لبؤس عقل يظن صاحبه أنه قد تحرر من وصاية الآخرين، فإذا به أسير لأفكار قوم مجرمين، يردد مقولاتهم، ويخوض عنهم معاركهم، ويذود عن باطلهم، وهو يحسب أنه المناضل المتفرد عن الحق المزعوم والتصور الموهوم! فتأمل عاقبة أمرك قبل أن تغتر بفطنتك، وانظر في مآلات ما تدافع عنه قبل تسفيه مخالفيك، فالمرء قد يشارك في نصرة الباطل بكلمة، ويعين على انتشاره بموقف، ويفتح له من الأبواب ما لم يستطع أصحابه فتحه بأنفسهم. وما أشد حسرة على من يفنى عمره في محاربة أهل الحق نصرة للباطل وأهله من حيث لا يفقه، ثم يقف بين يدي الله مثقلاً بأوزار مواقف ظنها في الدنيا شواهد على نبوغه واستقلال فكره وتفرده! فاحذر أن تكون في الدنيا محامياً عمن لا تعرف، ثم تلقى الله فتجد نفسك في زمرة أشقى المجرمين، خصيماً لأحكامه، معاديا لأوليائه، ظالماً لعباده، وقد قضيت حياتك وأنت تحسب أنك تحسن صنعاً!
3
489
حين أطل الذكاء الاصطناعي على العالم، استبشر الناس به خيرا، ورأوا فيه عصا سحرية تحقق لهم ما كان بالأمس ضربا من الخيال، وتختصر عليهم المسافات والأوقات، وتفتح أمامهم آفاقا لا تكاد تنتهي. لكن ما لبثت تلك العصا السحرية، التي ظنوا أنها ستمنحهم كل شيء، أن كشفت عن وجه آخر؛ فإذا بها تهدد وظائفهم، وتزاحم إبداعهم، وتنافس فنونهم وآدابهم، وتعيد تشكيل أسواقهم وشركاتهم، حتى امتد القلق إلى مستقبل الإنسان نفسه، ومكانته في عالم تتسارع فيه الآلة إلى محاكاة قدراته ومهاراته. وهذا مشهد من مشاهد حكمة الله في المنع والعطاء، ونعمة الحرمان التي قد تخفى على من لا يرى من الأقدار إلا ظاهرها. فكم من إنسان يتطلع إلى ما في أيدي غيره، ويحسب أن تمام النعمة في حصوله على كل ما يشتهي، وأن الحرمان من بعض المطالب يناقض الحكمة والرحمة! ولو تأمل سنن الله في خلقه، لأدرك أن من الحرمان ما تقوم به مصالح، ومن الحاجة ما تنبعث به الهمم، ومن تفاوت الأرزاق والقدرات ما تنتظم به شؤون الحياة. فبالحاجة يتحرك الإنسان، وبالسعي تنشط الحرف والصناعات، وتتولد الفنون، وتتبادل المنافع، وتدور الأموال، وتتشابك المصالح، وتستمر عمارة الأرض. وفي هذا يتجلى شيء من حكمة الله سبحانه في قوله: "نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا". فما كل حرمان شر، ولا كل عطاء خير، ولا ما تاقت إليه النفوس كان في حصوله صلاحها. فقد يكون في المنع من الرحمة ما لا تدركه العقول، وفي العطاء من الابتلاء ما لا يتبين إلا عند ظهور العواقب. والسعيد من أبصر في تقلبات العالم شواهد حكمة الله، فازداد بها إيماناً وتسليماً وحسن ظن بربه، واستخرج منها ما يصلح به نفسه ويعمر به دنياه ويستعد به لآخرته.
1
329
كلما اشتد حب الدنيا تضخم الخوف، وكلما تضخم الخوف تقلصت لذتها، حتى يغدو المرء حارساً لما يملك، خائفاً مما يفقد، عاجزاً عن الاستمتاع بما بين يديه. وكلما اشتد حب الدنيا شحت النفس، وكلما استحكمها الشح ساء ظنها بالله والناس، فضاقت بالعطاء، واستثقلت البذل، ورأت في كل ما يفوتها خسارة، وفي كل ما يناله غيرها مزاحمة. وكلما اشتد حب الدنيا وهن القلب، وكلما وهن القلب عصفت به تقلبات الأحوال، فكان ثباته رهين ما يقبل عليه من حظوظها وما يدبر عنه من متاعها. وكلما اشتد حب الدنيا تقوقعت الذات حول مصالحها، وكلما تقوقعت ضاقت دائرة إحسانها، وقل خيرها، ونضب عطاؤها، حتى يصبح المرء أسير نفسه، لا يرى من الوجود إلا ما يعود إليه. وكلما اشتد حب الدنيا انصرفت عين المرء عما بين يديه إلى ما في أيدي الناس، فإذا استغرقت في التطلع إلى ما عندهم غاب عنها إدراك ما تملك، ولم تبلغ ما تتمنى، فعاش محروما من نعمة حاضرة، معذبا بأمنية غائبة. وكلما اشتد حب الدنيا تكاثرت المبررات، وتفرعت التأويلات، وتورقت الشبهات، حتى يستحيل الهوى في عين صاحبه حجة، والمصلحة مبدأ، والرغبة ضرورة، ثم لا يزال يلتمس لنفسه المعاذير حتى يستحسن ما كان يستقبح، ويستبيح ما كان يستعظم. وخلاصة الأمر: أن الدنيا كلما عظمت في القلب صغر القلب عن احتمالها، وكلما استولى حبها على النفس استعبدت صاحبها بما يخشى فقده أو يرجو نيله. وليس الزهد أن تخلو اليد من الدنيا، وإنما أن يخلو القلب من سلطانها؛ فتملكها ولا تملكك، وتنتفع بها ولا تستعبدك، وتبذل منها ولا تخشى فواتها، وتعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
7
23
1,121
أما الرحمة، فهي روح الإنسانية، وجوهر الفطرة، وسر المحبة، والوشيجة التي تصل الذات بالذات، وتمنح الوجود الإنساني معناه الأسمى. بها يُفسر الإيثار حين تتجرد النفس من حظوظها، والجود حين يتجاوز العطاء حدود المصلحة، والفداء حين تصبح حياة الآخر أعز على المرء من حياته. يقول المنطق المادي: دع غيرك يهلك، فنجاتك أولى، وما الذي يدعوك إلى التضحية في غياب المقابل وانعدام المكافأة!؟ فتجيبه الرحمة: بل أغامر بنفسي من أجله؛ فبقاء إنسانيتي أعظم عندي من مجرد بقائي، وما قيمة حياة تنجو فيها الأجساد وتموت فيها المعاني؟! وعلى أعتاب الرحمة تتهاوى الحسابات المادية الضيقة، وتضيق فلسفات العدم عن تفسير أسمى تجليات الوجود الإنساني؛ ذلك أن الإنسان ليس كتلة من المادة تسوقها غرائز البقاء، وإنما كائن تتجاوز مشاعره حدود ذاته، حتى ليجد في نجاة غيره سعادة تفوق سعادته بنجاة نفسه. وبالرحمة تتحدد الغايات، وتكتسب العلاقات معانيها، ويصطبغ العالم بألوان الحياة؛ فلا حياة إنسانية حقة لقلب تجرد من الرحمة، وإن ظل ينبض بالحياة. وما بلغت الأم تلك المنزلة السامية إلا بما أودع الله في قلبها من الرحمة، وما اقترن الأمر ببر الوالدين بالتوحيد إلا وجاءت الرحمة في صميمه: "واخفض لهما جناح الذل من الرحمة". وما توج الله ميثاق الزوجية بأوثق من المودة والرحمة، فقال سبحانه: "وجعل بينكم مودة ورحمة". بل إن الرحمة تتجاوز كونها فضيلة من فضائل الأخلاق إلى أن تكون معنى عظيماً من معاني الوجود، وآية من آيات حكمة الخالق في خلقه، كما قال سبحانه: "إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم". وخلاصة القول: إن الرحمة ليست ضعفا في مواجهة القوة، أو عاطفة عابرة تعترض سبيل العقل، بل هي من أشرف ما يهتدي به العقل، وأسمى ما تتجلى به الروح، وأعظم ما يرتفع به الإنسان فوق أنانيته. فإذا كان العقل يدلك على ما تستطيع فعله، فإن الرحمة تهديك إلى ما ينبغي أن تفعله، وإذا كانت الغريزة تدعوك إلى حفظ وجودك، فإن الرحمة تدعوك إلى حفظ المعنى الذي يستحق من أجله وجودك.
2
425
لعل بعض أمنيات الغد ليست إلا وقائع اليوم التي طواها النسيان، وأشياء كانت بالأمس غاية المنى، فلما أدركناها ألفناها، ثم انصرفنا عنها إلى أمنيات أخرى، وكأن النفس لا تستقر على مطلوب، ولا تقف عند غاية. فتوقف عن الركض برهة، وأمهل نفسك من عناء التفكير في الغد، والتفت إلى يومك، وتأمل ما بين يديك من نعم كانت ذات يوم بعيدة المنال، ثم اسأل نفسك: أكانت الغاية من كل ذلك إلا الرضا؟ غير أن الرضا لا يستقيم أن يكون رهين تصورات متقلبة، وأهواء تتبدل بتبدل الأحوال؛ فالمرء يصبح على تصور للسعادة، ويمسي على تصور آخر، وبين صباح ومساء تتأرجح رغائبه، وتتخلق أمنياته، وربما لم تكن إلا أوهاما نسجتها انفعالات عابرة، أو رغبات طفولية تدثرت بأثواب النضج والعقلانية. وما أكثر ما نطارد من الأشياء ظنا أن فيها تمام سعادتنا، فإذا ظفرنا بها انطفأت دهشتها، وخبا بريقها، وعدنا نفتش عن السعادة في شيء آخر! وهكذا تمضي الأعمار في ملاحقة غايات متحركة، لا يكاد المرء يبلغ إحداها حتى تلوح له أخرى. أما الحقيقة التي لا تتبدل، فقد كشفها الحق سبحانه بقوله: "وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو"، وقوله: "وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور"، ثم دلنا على الحياة التي تستحق أن تتعلق بها الغايات، فقال: "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون". فليس الزهد في الدنيا أن تهجر عمارتها، ولا الرضا أن تكف عن السعي فيها، وإنما أن تعرف قدرها، فلا تجعل من العابر غاية، ولا من الوسيلة مقصد، ولا ترهن طمأنينة قلبك بما لا يملك البقاء. وخلاصة القول: كل آت قريب، وما الدنيا مهما امتدت إلا معبر قصير إلى حياة سرمدية، إما إلى نعيم مقيم، أو عذاب أليم. فطوبى لمن عرف الغاية قبل انقضاء الطريق، ولم يبع الباقي بالفاني، ولا استبدل برضا الله أمنية تنقضي لذتها ويبقى حسابها.
1
5
400
من الناس من لا تطيب له صفقة، ولا يهنأ له ابتياع، حتى يخوض مع البائع معركة من المماكسة، لا تشبه المساومة في شيء، وإنما هي ضرب من المصارعة النفسية واللفظية، يستعرض فيها طول لسانه، وعلو صوته، ولجاجة طبعه، حتى ليخيل إليك أنه ينتزع حقا مغتصباً، لا ابتياع سلعة. وربما استطال به المقام، فأهدر من وقته ووقت البائع ما يفوق قيمة ما يساوم عليه، ونفّر الزبائن، وأفسد سكينة المتجر، وأحرج البائع حتى يضطره إلى الحط من الثمن اتقاء للضجيج، وخلاصاً من اللجاج. ثم ينصرف صاحبنا مزهواً بانتصاره الموهوم، يحسب أنه غنم، وما درى أنه أخذ من مال أخيه ما لم تطب به نفسه، وأن الرضا الذي تنتزعه وطأة الإحراج ليس كالرضا الذي تنعقد عليه المعاملات بطيب نفس واختيار. والأقبح من ذلك أن هذه الممارسة كثيراً ما تنشأ عن سوء ظن متأصل؛ إذ يدخل صاحبها المتجر وقد استقر في ذهنه أن البائع خصم يتربص به، وأن الثمن المعلن فخ منصوب له، وأن عليه أن يستنفر حيلته وصوته ولسانه ليقهر هذا الخصم المتخيل! فهو لا يساوم على سلعة بقدر ما يصارع وهماً صنعه في رأسه، ثم يتوهم أن غلبته لذلك الوهم ضرب من الفطنة والدهاء. وليس العيب في المساومة، فهي من مألوف المعاملات، وحق للمشتري؛ وإنما العيب أن تتحول المساومة إلى لجاجة، والفطنة إلى فظاظة، وطلب المصلحة إلى إيذاء الناس وامتهان كرامتهم. ثم إن من استمرأ هذه الطباع واستعذبها صارت سجية ملازمة له، يحملها معه حيث حل، فلا تكاد تفارقه ولو دخل أرقى المتاجر بل والمجالس. وإن من خوارم المروءة أن يستكثر المرء على نفسه بذل دراهم معدودة، ثم يسترخص كرامته ووقته وأدبه في سبيل انتزاعها. فما كل ما استطعت انتزاعه من الناس يعد مكسباً، أو ما تنازلوا عنه لك كان عن رضا؛ فقد يكون بعض ما تحسبه ربحاً خسارة في المروءة، وبعض ما تظنه دهاء شاهداً على سقوطك وسوء خلقك. فليست المروءة أن تخرج من كل صفقة بأقل ثمن، وإنما أن تخرج منها بأوفى خلق، وأنقى ذمة، وأطيب أثر.
2
346
حذارِ ممن يتسلل إلى نفسك في ثوب الناصح المشفق، وهو لا يحمل إليك إلا نذر التشاؤم، وهواجس المرض، ووساوس الموت، حتى يحيل عافيتك إلى قلق، وطمأنينتك إلى فزع، ويجعل من جسدك الذي أنعم الله عليك به موطنا للشكوك، ومن كل عارض يسير نذير بلاء عظيم! حذارِ ممن يملأ رأسك باحتمالات الأسقام، ويثقل صدرك بمخاوف المستقبل، ثم يسوقك من تحليل إلى تحليل، ومن مشفى إلى آخر، حتى تصبح أسير ترقب المرض قبل وقوعه، وتتوهم العلل في كل إحساس، وتستبق الأقدار بما لا تقتضيه حاجة ولا يسوغه سبب، فتغدو حياتك سلسلة من الاحتياطات التي لا تنتهي، والمخاوف التي لا تنقضي. وما أخطر هذه الوصاية حين تتدثر بلباس الحرص والمحبة! فإنها لا تكتفي بإفساد يومك، بل تمتد إلى تصورك للحياة، فتسلبك لذة العافية، وتطفئ جذوة الطموح، وتجعلك تعيش على هامش الوجود، كأنما خلقت لتراقب جسدك وهو يهرم، وتحصي أيامك وهي تنقضي، وتنتظر مصيبة لم تقع، وموت لم يحن أجله. إياك أن تستهين بما تستقبله أذنك ويستقر في عقلك؛ فبعض الكلمات إذا استوطنت النفس استعصى اقتلاعها، ورب خاطر عابر تحول إلى هاجس مقيم، ثم إلى قلق يستنزف الروح، ويورث الجسد من الأوجاع ما لم يكن يشكو منه!. انفض عن روحك غبار هؤلاء، وأغلق دون وساوسهم أبواب نفسك. وامض في حياتك مؤمناً بالله، محسن الظن به، متوكلا عليه، آخذا من الأسباب بقدر ما تقتضيه الحكمة، لا بقدر ما يمليه الوهم. عالج المرض إذا وقع، وتوقَّ ما ترجح ضرره، واستشر أهل الاختصاص عند الحاجة، ولكن لا تجعل حياتك رهينة لمرض محتمل، ولا تستبدل نعمة العافية بعذاب انتظار زوالها. عش الحياة التي استخلفك الله فيها؛ اعمل، وابن، وتعلم، وأحب، وأحسن، وأعط، واستكثر من الصالحات، واستشعر نعم الله عليك، ولا تجعل خوفك من فقد النعمة يحرمك لذة التمتع بها وشكر واهبها. واعلم أن الموت أجل محتوم، لا يستقدمه تفاؤلك، ولا يستأخره هلعك، وأن الدنيا دار ممر لا مقر، فلا تستحق أن تفني أيامك في الرعب من مغادرتها، ولا أن تضيع ما بقي من عمرك في التحسر على ما قد يأتي منه. فليس حسن الاستعداد للموت أن تعتزل الحياة، وإنما أن تعمرها بما يرضي الله حتى يأتيك اليقين. فدع عنك تجار المخاوف، ودعاة الوهن، وأسرى الاحتمالات السوداء، لا تسمح لأحد أن يصادر منك سكينة الإيمان، أو يفسد عليك بهجة العافية، ويختزل وجودك في جسد تخشى عليه الفناء. فإن من أعظم الخسارة أن يمضي الإنسان عمره خائفا من الموت، حتى إذا أدركه اكتشف أنه لم يعش من حياته إلا مخاوفها.
1
3
550
ساقتني الأقدار ذات يوم إلى التعامل مع رجل أبدى نحوي من الود ما يفيض عن حدود المعرفة، وأغدق علي من الكرم والمشاعر ما يوحي بصفاء السريرة وصدق المودة. وكان كلما لقيني استقبلني استقبال الفاتحين، وأمطرني بوابل من الثناء، وأسبغ علي من عبارات الإعجاب والتقدير ما يضيق به المقام. غير أن شيئا في داخلي ظل عصيا على الاطمئنان إليه، فلم ينشرح له صدري، ولم تستجب نفسي لكل تلك الحفاوة، على امتداد معرفتي به، حتى إنه أفضى إلي ببعض مكنونات نفسه، وأسكب عبراته بين يدي في بعض أحاديثه، فما حرّك ذلك في جناني ساكنا، ولا بدد ما استقر في أعماقي من ريبة لا أجد لها تفسيرا. وكنت أرقب في صمت اللحظة التي ينفد فيها رصيد ذلك الاهتمام، وتسقط معها الأقنعة، وتطل من وراء هذا الفيض من المشاعر مصلحة يتوارى بها صاحبها خلف ستار المودة. ولم يطل بي الانتظار حتى عرض علي الدخول معه في مشروع لا يملك من مقوماته مالا ولا خبرة، ثم أخذ يستدرجني شيئا فشيئا إلى تحقيق مآربه، ويسوق من ألوان التودد ما يظن أنه يفتح له الأبواب المغلقة. وهناك انكشف لي أول الوجه الذي طالما توجست منه. ومع ذلك، لم أستسلم لما يمليه علي حدسي، بل ظللت ألتمس له المعاذير، وأحمل تصرفاته على أحسن المحامل، خشية أن أظلمه بسوء ظن، أو أحمّل أفعاله ما لا تحتمل. حتى إذا انقضى الفصل الأول من الحكاية، وأدرك الرجل أن مساعيه قد أخفقت، وما كان يرجوه مني قد أصبح بعيد المنال، انقلبت تلك الحفاوة إلى جفاء، وتبدلت العبارات، وانحسر ذلك الود المفرط، وأسفر وجهه القبيح عن بقية ملامحه التي طالما أخفاها وراء ابتسامات عريضة وكلمات منمقة. عندها أدركت أن ما استقر في أعماقي منذ اللقاء الأول لم يكن وهما عابرا، وأن النفس قد تستشعر من خفايا الطباع ما تعجز عن تفسيره، وأن المرء لا ينبغي له أن يجعل من ظواهر السلوك وحدها ميزانا للحكم على الناس، ولا يغفل عما يستقر في وجدانه من إشارات، وإن كان عليه ألا يجعل من تلك الإشارات حكما قاطعا يظلم به أحد. فليس كل من أجاد التعبير عن المودة صادقا فيها، أو من أفرط في الثناء كان مخلصا في مقصده؛ فقد تكون الكلمات ستارا للمآرب، والحفاوة جسرا للمصالح، وما إن تتعذر الغاية حتى ينكشف المستور. لقد خرجت من تلكم التجربة بمعنى ازددت به يقينا: أن للعقل قراءته، وللتجربة شواهد، وللقلب فراسة تلتقط ما تغفل عنه العينان؛ غير أن كمال العقل والبصيرة أن تستصحب حدسك في الحذر، وعدلك في الحكم، فلا تغتر بظاهر المودة، ولا تظلم أحدا بمجرد الريبة.
5
796
مرّ أمام ناظري غبار، في هيئة مقال ساقط يتطاول على علم من أعلام الأمة، رحمه الله. فدفعني الفضول إلى استطلاع ما يكتبه صاحبه، علّني أستبين من مجموع أطروحاته منهجه في النقد ومآخذ اعتراضه، فإذا أكثر ما يكتب لا يكاد يخرج عن اجترار الطعن في الموروث، بأسلوب فجّ يفتقر إلى الإنصاف والموضوعية وأدب الخلاف. غير أن ما استوقفني، وأدخل على نفسي شيئًا من السرور، أنني اكتشفت أن صاحبه قد حظرني، مع أنني لا أعرفه، ولا أكاد أذكر أنني مررت به من قبل! ويا لها من شهادة مباركة، حين تجد لكلماتك أثرًا يبلغ من بعضهم مبلغًا يضيق معه صدره عن احتمالها، فلا يجد سبيلًا إلى مواجهتها إلا أن يوصد دونها بابه! وإن من نعم الله على المرء أن يرى لكلمته أثرًا في الذب عن دينه، والوقوف في وجه من يتخذ من النقد ستاراً للنيل من ثوابت الأمة ومقدساتها وأعلامها، أو العبث بلحمة صفها. نسأل الله أن يجعلنا من أنصار دينه، والذابّين عن حرماته، ويسدد أقوالنا وأقلامنا، ويجعلها حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.
156
رحم الله أمي رحمة واسعة، فما برحت في حياتها تحذرني من منصة X، حتى لكأنها تحذرني من آفة مخدرة يخشى على صاحبها أن تستدرجه إلى ما لا يحمد عقباه. وها أنا اليوم أتم خمسة عشر عاماً في هذه المنصة، وما زالت كلماتها حاضرة في ذاكرتي، أستصحب نصحها، وأزداد مع تعاقب السنين إدراكا لبعد نظرها، ولا سيما في أمرين: أولهما: ما تنطوي عليه هذه المنصات من قابلية للإدمان واستنزاف الأعمار، حتى يجد المرء نفسه قد أنفق من وقته وفكره وكلماته ما لو صرف بعضه فيما ينفعه لكان أجدى وأبقى. وثانيهما: ما تكتنفه من مخاطر لا تقف عند حدود ما يكتبه المرء، بل تمتد إلى ما قد يحمله الآخرون عليه من تأويلات، وما يتربص به بعضهم من زلات، حتى تغدو الكلمة البريئة في يد متربص مادة للتشويه، أو ذريعة للإضرار، ورب كلمة لم يلق لها قائلها بالا كانت عليه وبالا. ولئن امتد بي المقام فيها طوال هذه السنين، فما كان ذلك استهانة بنصيحتها، أو غفلة عن محاذيرها، وإنما ما صحبتني الأيام بشيء من النظر والحذر، وعلمتني أن للكلمة تبعات تتجاوز نية قائلها، وأن السلامة في اجتناب مواطن اللغط، والنأي بالقلم عن كل ما لا ترجى مصلحته أو تخشى عاقبته. ثم إن مما استبقاني فيها ما وجدته من فسحة للكتابة، ومجال لبذل شيء من العلم والتجربة والتأمل، وما أرجوه من نفع قد تبلغه كلمة صادقة، أو معنى حسن، أو نصيحة تقع موقعها من قلب أحدهم، فيكتب الله بها خيرا لا يعلمه صاحبها. ومع ذلك، فما زال في نفسي هاجس لا يفارقني، ويقين ألوذ به كلما راجعت أمري: أن الخير ليس فيما أختاره لنفسي، وإنما فيما يختاره الله لي. فليس طول الألفة دليلا على صلاح البقاء، أو اعتياد الشيء حجة على الاستمرار فيه، أو ما ألفته النفس كان خيرا لها. فاللهم إن كان في بقائي على هذه المنصة، وفيما أخطه من كلمات، خير لديني ودنياي، ونفع لعبادك، فبارك لي في قلمي، وسدد قولي، وأخلص نيتي، واجعل ما أكتب حجة لي لا علي. وإن كان في ذلك شر لي، أو فتنة لديني، أو استنزاف لعمري فيما لا يرضيك، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي من الخير ما هو أنفع وأبقى، ثم رضني به. رحم الله أمي، فقد مضت وبقيت وصاياها، وما أعظم بركة النصيحة حين يغيب صاحبها ويبقى أثرها، وما أصدق حب الأم حين ترى بعين شفقتها ما قد لا نبصره إلا بعد أن تعلمنا الأيام صدق ما كانت تخشاه علينا.
1
4
476
ماذا لو تلاشى البشر من حولك، وغابت عنك أعين الناظرين، وانقطعت أصوات المادحين والذامين، ولم يبق في هذا العالم أحد يراك أو يسمع بك أو يتحدث عنك؟ أكانت رغائبك هي رغائبك؟ وأحلامك هي أحلامك؟ وكم من غاية كنت ستظل تسعى إليها لو لم يكن ثمة أحد يشهد بلوغك إياها؟! تأمل رغائبك واحدة تلو الأخرى! فهذه رغبة ولدت يوم انفتحت عيناك على ما في يد غيرك، وتلك نمت على وقع كلمات إعجاب وثناء، وثالثة تسعى إليها ليقال عنك كذا وكذا، ورابعة تتكلفها حتى لا يقال عنك كذا وكذا! وخامسة لم تكن لتخطر لك على بال لولا أنك رأيت الناس يتسابقون إليها، وسادسة لم تكن رغبتك فيها إلا صدى لرغبة غيرك، حتى غدوت تطارد أحلاما لا تدري أهي أحلامك أم أحلام الناس التي استوطنت نفسك! كم من عمر أنفقه صاحبه في طلب ما لا يريد، وإنما يريد أن يراه الناس وقد ناله! وغاية بلغها، فلما سكنت ضوضاء المهنئين، وخفتت أصوات المعجبين، اكتشف أن لذتها لم تكن في ذاتها، وإنما في عيون من شهدوها! أما الرغبة الحقيقية، فهي التي تبقى حين يغيب الجمهور، وتصمد حين ينقطع التصفيق، ولا تفقد معناها إذا لم يعلم بها أحد. هي التي تنبع من أعماق نفسك، لا من أعين الناس، وتستمد قيمتها من حقيقتها وغايتها، لا من مقدار ما تجلبه لك من إعجاب أو منزلة. غير أن ثمة حقيقة أعمق من ذلك كله؛ فحتى الرغائب التي تنبع من ذاتك، وتستقل عن أعين الخلق، تظل ناقصة المعنى إن انقطعت غايتها عند حدود هذه الحياة الفانية. فما قيمة رغبة ينتهي معناها بانتهاء العمر؟ وما حقيقة غاية لا يبقى لصاحبها من ورائها شيء حين يفضي إلى ربه؟ وخلاصة الكلمة: فتش في رغائبك عما يبقى منها لو غاب الناس، ثم فتش فيما بقي عما ينفعك إذا غبت أنت عن الدنيا. فالأولى تكشف لك ما تريده أنت، والثانية تكشف لك ما ينبغي أن تريد. وما من رغبة، مهما عظمت في نفسك، تستحق أن تكون غاية الغايات ما لم تتصل بما عند الله؛ إذ ليست الرغبة الحقيقية تلك التي تصمد أمام غياب الناس فحسب، بل التي يبقى نفعها وأثرها بعد انقضاء حياتك.
3
351
كانوا يسمعون بما حذر منه النبي ﷺ في أحاديث كثيرة، من فتن وأشراط وأحداث، ويقرؤون أوصافها وعلاماتها، ويظنون أنهم بمنأى عنها، وأن النجاة منها أمر ميسور؛ فما دامت علاماتها ظاهرة، وأوصافها بينة، وعواقبها معلومة، فكيف يلتبس عليهم أمرها، أو تزل بهم الأقدام في مهاويها؟! وها هم اليوم بين غريق في لججها، ومستدرج إلى حبائلها، ورأس فتنة يدعو الناس إلى اقتحامها، ويزين لهم القفز في هاويتها! فما الذي حدث؟ وما الذي تبدل؟ وكيف غدت الفتنة التي كانوا يتعجبون من وقوع الناس فيها مذهبا يعتنقونه، وباطلا يدافعون عنه، بل وحقا يتقربون إلى الله اليوم بزعمهم في نصرته؟! ما الذي جرى سوى أنهم اغتروا بعقولهم، وركنوا إلى أفهامهم، واتكلوا على أنفسهم، وغفلوا عن حقيقة العبودية والافتقار إلى الله، وعن لزوم الاستعانة به وسؤاله الثبات والهداية، حتى ظنوا أن مجرد معرفة الحق عصمة من مخالفته، وأن العلم بمداخل الفتن ضمان للنجاة منها! نسوا أن البصيرة ليست مجرد عين تبصر، أو عقل يدرك، أو علم يحفظ، وإنما هي نور يقذفه الله في القلب، وتوفيق يرزق به من يشاء من عباده. فكم من عالم بالحق حيل بينه وبين اتباعه، وبصير بعواقب الباطل ساقته نفسه إليه، وكم من محذر من فتنة أصبح من دعاتها! وما ذلك إلا لأن الهداية فضل من الله ورحمة، والثبات منحة لا يملكها العبد لنفسه، ولو ملك من العلم ما ملك، وأحاط من الأدلة بما أحاط. وليس من عرف الطريق وفق لسلوكه، ولا من أبصر الهاوية عصم من السقوط فيها؛ فالقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. بل لو فتحت لبعضهم أبواب السماء، وكشفت لهم من الغيوب ما يكشف، لما أغنت عنهم الآيات شيئا ما دامت قلوبهم مصروفة عن الحق، كما قال سبحانه: "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون ،لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون". فلا تغتر بعلمك، ولا تأمن على نفسك الفتنة، ولا تجعل وضوح الحق في نظرك سببا للاتكال على فهمك؛ فما أنت بالذي هدى نفسه، ولا أنت بالذي يملك لها الثبات. وإن من أعظم الفتن أن يظن المرء أنه بمنأى عن الفتنة، ومن أعظم أسباب الضلال أن يغتر الإنسان بما عنده من أسباب الهداية، فينسى واهبها سبحانه. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
165
سأسرق حتى لا أُتهم بالنفاق في عفتي، وسأزني حتى لا أُتهم بالرياء في طهري، وسأجاهر بالمعصية حتى لا يُقال إنني أتستر خلف الفضيلة! هكذا يريدك أصحاب الأهواء، وهكذا يسعون إلى دفعك نحو الهاوية؛ لا يكتفون بأن يستبيحوا لأنفسهم الرذيلة، بل يريدون منك أن تتخلى عن فضيلتك، حتى لا يبقى في استقامتك ما يفضح اعوجاجهم، ولا في عفتك ما يذكرهم بانحلالهم. فإن استقمت اتهموك بالتصنع، وإن نصحت رموك بالوصاية، وإن أنكرت منكرا نبزوك بالتشدد، وإن أعلنت تمسكك بقيمك اتهموك بادعاء المثالية! يريدون منك أن تثبت صدقك بفسادك، وتبرهن على سلامة سريرتك بانتهاك ما تؤمن به، وكأن الفضيلة لا تصدق حتى تنقض، والطهارة لا تثبت حتى تدنس! فإياك أن تجعل من اتهامهم لك بالنفاق ذريعة إلى مفارقة الحق؛ فلست مطالبا بأن تجاهر بالمعصية أو تختلقها لتثبت للناس أنك لست منافق، ولا أن تتخلى عن فضيلتك لتنال شهادة البراءة ممن عدموها فاستثقلوا وجودها فيك.
186
كما أن في ألم الجسد رحمة تنذره بما يؤذيه، وترده عما قد يهلكه، فكذلك في ألم النفس رحمة خفية، توقظها حين تستنزفها علاقة، وتنبهها حين يستباح شعورها، وتدعوها إلى النجاة مما يحرق عمرها ويستنفد روحها. فليس كل ألم شر محض؛ إذ قد يكون الوجع رسالة رحمة، تحذرك من موضع اعتدت البقاء فيه حتى ألفت أذاه، وتدفعك إلى مفارقته قبل أن تفقد فيه ما لا يعوض من عمرك ونفسك.
136