Pinned Tweet
استوقفتني في العدد (131)، لمجلة الرسالة الصادر في 6 يناير 1936م، عبارة بديعة لأحمد حسن الزيات في مقاله "الرسالة في عامها الرابع"، وهو ينتقد كتابةً انفصل أصحابها عن منابع اللغة وروحها، فقال:
"صاغوها من حروف الهجاء، لا من الأعصاب والدماء".
يا لها من عبارة لو قيلت في عصر الذكاء الاصطناعي!
فقد أصبح من أيسر الأشياء أن تصنع نصًّا صحيحًا، فصيحًا، متماسكًا، وربما بديعًا؛ لكن شيئًا واحدًا سيزداد ندرة كلما أتقنت الآلة الكتابة: أن يكون وراء الكلمات إنسانٌ عاش ما يقول.
قد تتقارب النصوص في ظاهرها، لكن لا تتساوى التجارب التي تقف خلفها.
عبدالله بن يحيى آل قاسم retweeted
"لقد مر عليَّ زمان كان أحلى أمانيَّ فيه أن أسير فيشير إليَّ الناس بالأيدي يقولون: هذا علي الطنطاوي... فلما جربت هذا كله، وذقت لذته، صار كل ما أرجوه أن أتوارى عن الناس، وأن أمشي بينهم فلا يعرفني منهم أحد"
علي الطنطاوي، مجلة الرسالة عدد: ٩٩٨
يا لها من مفارقة!
يقضي الإنسان شطرًا من عمره يريد أن يعرفه الناس، فإذا عرفه الناس قضى شطرًا آخر يبحث عن مكانٍ لا يعرفه فيه أحد.
ولعل في عصر المنصات معنى يستحق التأمل: بعض الأشياء تشتد رغبتنا فيها لأننا لم نجرّب ثمن امتلاكها بعد.
فالشهرة من بعيد أضواء، ومن قريب عيون مزعجة.
عبدالله بن يحيى آل قاسم retweeted
من الأشياء التي لا ننتبه إليها إلا متأخرين: أن بعض أجمل أيام حياتنا مرّت علينا وهي أيام عادية جدًا.
ثم تتغير الحياة، فنكتشف أن ما كنا نسميه يومًا عاديًا كان نعمةً كاملة عظيمة تامة لم نعرف اسمها إلا بعد أن غابت.
لا تنتظر أن تصبح الأشياء ذكريات حتى تعرف قيمتها.
عبدالله بن يحيى آل قاسم retweeted
هناك حوارات تستهلك صحتك وعقلك:
الحوارات التي لا تقع!
أن تمضي وقتًا طويلًا تشرح في رأسك لشخصٍ ما لماذا أخطأ، وتتخيل رده، ثم ترد عليه، وتنتصر مرة، وتغضب مرة . . . بينما الرجل ربما يشرب قهوته ولا يعلم أن بينكما معركة كاملة! 😄
بعض راحة النفس أن تتعلم التفريق بين مشكلة تحتاج إلى حديث، ومشكلة صنعها كثرة الحديث عنها في رأسك.
"لا تأمن المحتجبة من أن ينقلب الناس عليها، بل من أن ينقلبوا في قيمهم الأخلاقية نفسها؛ فما كانوا، من قبل، يعيبونه أو يلومون عليه من تكشُّف أو تبرُّج، قد يصيرون إلى النصح به أو تركه، أو العكس ما كانوا يمتدحونه من تستُّر أو تصوُّن، قد يصيرون إلى الدعوة إلى تركه؛ ولا أشد عليها من هذا الانقلاب الذي هو ضلال بعد هداية؛ فقد يصل إلى درجة أن يصفوها بالخداع والنفاق، معتبرين تحجُّبها تكلُّفًا وتصوُّنها تهتُّكًا! ولا يعصمها من شر هذه الفتنة إلا ثباتها على حجابها، لأنه نورها الذي به هدايتها"
🖋طه عبدالرحمن
كتابه ماتع . . دلني عليه @salnasser12 فله شكري ودعواتي.
ولعل ما تأمله ابن حزم رحمه الله تختصره صورة مهيبة في مشهد عجيب يقع عند القبر، كلما قرأتُ حديثه أو سمعتُه استشعرتُ رهبته، وتخيّلتُ تلك اللحظة التي تنقطع فيها بالإنسان علائقه بالدنيا، ويبدأ انفراده بما قدّم.
قال النبي ﷺ: "يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
يا له من مشهد! يمضي الأهل الذين كانوا أُنسه، ويرجع المال الذي كان شغله، ويبقى العمل الذي ربما كان أقلَّ ما شغله!
وكم نقع والله المستعان في مفارقات هذه الحياة! يسعى الإنسان إلى ما يرجوه، فإذا ظفر به لم يلبث أن يألفه، ثم تتطلع نفسه إلى غيره؛ وكأن آمال الدنيا كلما انتهى منها أملٌ فتح وراءه بابًا لأمل جديد.
حتى تأتي تلك الساعة التي ينكشف فيها الفرق بين ما كان يشغله، وما كان ينبغي أن يشغله.
اللهم لا تشغلنا بما يفنى عمّا يبقى، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا، وأصلح لنا أعمالًا نلقاك بها وأنت راضٍ عنا.
من نصوص أبي محمد بن حزم التي يتجدد وقعها في وجداني كل مرة أعود إلى قراءتها، نص يفيض بالمعنى والبصيرة، يقول:
"إذا تعقبت الأمور -كلها- فسدت عليك، وانتهيت في آخر فكرتك باضمحلال جميع أحوال الدنيا إلى أن الحقيقة إنما هي العمل للآخرة فقط؛ لأن كل أمل ظفرت به فعقبه حزن؛ إما بذهابه عنك، وإما بذهابك عنه، ولا بد من أحد هذين السبيلين؛ إلا العمل لله عز وجل، فعقبه على كل حال سرور في عاجل وآجل… وأما في الآجل فالجنة".
ولو أردت أن أضع لكلمات ابن حزم عنوانًا قرآنيًا، لكانت مقولة الخليل إبراهيم الجليلة:
(لا أحب الآفلين)
فكل ما يغيب ويختفي ويأفل ويتلاشى وينتهي، فهو مؤقت لا خلود له فلا ينفع القلب تعلُّقُه به، بل قد ينقلب ألمًا وعذابا.
"لا أحب الآفلين"؛ لأن الروح بفطرتها لا تشفى ولا تروى ولا تسكن بالفاني، بل بالخالد الباقي، تتغذى بمحبة الإله وقربه وتجليات رحمته، وتتطلع إلى دار البقاء والدوام.
وأنا على يقين أستاذي الكريم أن الصداقة تنمو كلما ائتُمن أحدهما على ضعف صاحبه فصانه، وعلى سرّه فحفظه، وعلى عثرته فلم تتغير بها منزلته في قلبه.
ومن حظي بصديقٍ صدوقٍ صادق يستطيع أن يخلع عنده الكلفة، ويكون على سجيته، ويتكئ عليه حين تثقله الحياة، فقد أعطي واحدة من أنفس عطايا الحياة.
آهٍ ما أجمل أن تجد في إنسانٍ آخر موضعا فسيحا لنفسك، تأوي إليه كما أنت لا كما ينبغي أن تكون.
ليست الصداقة معنىً يمكننا الظفر به وعيش تجربته السامية بمجرد أن نرتبط مع أشخاص يروقون لنا ونروق لهم، ليست معطىً جاهزًا نتمتع به حال إنشأ علاقة صداقة، أنها أفق نسعى لتحقيقه عبر علاقتنا بهم، بداية الطريق هي إطلاق الشرارة فقط، ومن خلال اكتشاف آفاق الصداقة سويا والسعي لعيشها وتجربتها بصدق وتحمّل عنائها تتحقق الصداقة.
في كنف الصديق نجد الشجاعة للاعتراف بضعفنا ونتشارك مخاوفنا ونشعر باليد التي تمتد فترفعنا من عثراتنا الروحية والمعنوية، يدرك الصديقان أن الصداقة عهد على الثقة و الأمان، وفي تلك المساحة الآمنة تنبت شجيرات الصداقة وتزدهر فتُثمر كمالات الانسان وتنكشف له معاني الجمال والاكتمال في الحياة.
لليقين طمأنينة لا يصنعها اكتمال الأسباب؛ أن تعلم أن تدبير الله لا يبدأ حين تنتهي حيلتك، بل كان سابقاً لها، ومصاحبا لها، وباقياً بعد عجزها.
نحن لا نرى إلا اللحظة، والله يعلم الطريق كلَّه.
اللهم ارزقنا يقيناً يطمئن به القلب حين تضطرب الأسباب، ورضا بتدبيرك حين تخفى علينا الحكمة، وتوكّلا لا ينكسر إذا انقطعت الحيل، واجعلنا أوثق بما عندك مما في أيدينا، وأحسن ظننا بك في كل ما نرجو ونخاف.
هناك حوارات تستهلك صحتك وعقلك:
الحوارات التي لا تقع!
أن تمضي وقتًا طويلًا تشرح في رأسك لشخصٍ ما لماذا أخطأ، وتتخيل رده، ثم ترد عليه، وتنتصر مرة، وتغضب مرة . . . بينما الرجل ربما يشرب قهوته ولا يعلم أن بينكما معركة كاملة! 😄
بعض راحة النفس أن تتعلم التفريق بين مشكلة تحتاج إلى حديث، ومشكلة صنعها كثرة الحديث عنها في رأسك.
من الأشياء التي لا ننتبه إليها إلا متأخرين: أن بعض أجمل أيام حياتنا مرّت علينا وهي أيام عادية جدًا.
ثم تتغير الحياة، فنكتشف أن ما كنا نسميه يومًا عاديًا كان نعمةً كاملة عظيمة تامة لم نعرف اسمها إلا بعد أن غابت.
لا تنتظر أن تصبح الأشياء ذكريات حتى تعرف قيمتها.
"لقد مر عليَّ زمان كان أحلى أمانيَّ فيه أن أسير فيشير إليَّ الناس بالأيدي يقولون: هذا علي الطنطاوي... فلما جربت هذا كله، وذقت لذته، صار كل ما أرجوه أن أتوارى عن الناس، وأن أمشي بينهم فلا يعرفني منهم أحد"
علي الطنطاوي، مجلة الرسالة عدد: ٩٩٨
يا لها من مفارقة!
يقضي الإنسان شطرًا من عمره يريد أن يعرفه الناس، فإذا عرفه الناس قضى شطرًا آخر يبحث عن مكانٍ لا يعرفه فيه أحد.
ولعل في عصر المنصات معنى يستحق التأمل: بعض الأشياء تشتد رغبتنا فيها لأننا لم نجرّب ثمن امتلاكها بعد.
فالشهرة من بعيد أضواء، ومن قريب عيون مزعجة.
المحكمة التي لا ترفع جلساتها!
لفت نظري في العدد ١١٠ من مجلة الرسالة وصف طريف لأحمد أمين، في مقال عنوانه "هما". كان يصف رجلًا لا تنتهي علاقته بالمواقف حين تنتهي؛ بل يحملها معه، ويعيد محاكمتها طويلًا.
يقول أحمد أمين:
"ففي نفسه محكمة منعقدة باستمرار، تطول فيها المرافعة، ويشتد فيها الخصام، وتكثر منها الأحكام، والنقض والإبرام".
ثم يرسم له صورة أدق: فإذا فرغ من مجلس استعرض ما دار فيه "كأن ذهنه شريط ماركوني"، وحين يأوي إلى فراشه "بدأ يعيد الشريط من جديد"
قرأت هذا الوصف، وقلت: ما أكثر هذه المحاكم اليوم!
ينتهي الاجتماع، وتنتهي الزيارة، وتُغلق المحادثة، ويذهب كل واحد إلى شأنه؛ إلا واحدًا يعود حاملًا المجلس كله في رأسه:
لماذا قال هذه الكلمة؟
ولماذا سكت ذاك؟
وهل كان يقصدني؟
ولماذا لم يرد على رسالتي؟
وما معنى تلك النظرة؟
ولو أنني قلت له كذا بدلًا من كذا؟
الموقف الذي لم يستغرق عشر دقائق في الواقع، قد يعيش في الرأس يومين!
والأعجب أن الإنسان في هذه المحكمة يؤدي جميع الوظائف: هو القاضي، والمحامي، والمدعي، والشاهد، وهو الذي يختار الأدلة أيضًا؛ ولذلك لا غرابة أن تنتهي معظم الجلسات بالحكم الذي كان يريده منذ البداية.
وقد زادت الوسائط الحديثة الأمر تعقيدًا؛ فقد أصبح بين أيدينا ما يعين هذه المحكمة على ألا ترفع جلساتها: رسالة يمكن قراءتها عشر مرات، و"آخر ظهور"، وإعجاب لم يوضع، ومشاهدة بلا رد، وكلمة مقتضبة تحتمل من المعاني أكثر مما تحتمل!
وليست المشكلة في مراجعة الإنسان لمواقفه؛ فتلك من العقل.
المشكلة أن تتحول المراجعة إلى اجترار، والتأمل إلى تأويل، والاحتمال إلى حقيقة، ثم نحاسب الناس على محادثات كاملة لم تقع إلا في رؤوسنا.
بعد قرابة قرن من وصف أحمد أمين، تغير "شريط ماركوني"، لكن الشريط الذي في الرأس لم يتغير كثيرًا.
ولعل من راحة العقل أن يعرف الإنسان متى يفكر في الموقف، ومتى يقول ببساطة: رُفعت الجلسة.
من أدق ما قرأت للعقاد في الرسالة: في مقال "أيهما؟"، مجل،العدد 595.
"فالإنسان لا يحسن تقدير الشيء الذي هو في يديه، لأنه ينزل به عن قدره، ولا يحسن تقدير الشيء الذي يصبو إليه، لأنه يرفعه فوق قدره".
ولعل وسائل التواصل صنعت هذه العلة فينا؛ ومنحتها مسرحًا لا ينطفئ: نعيش نعما من الداخل، فلانرى إلا الاعتياد والنقص، ونرى نعم الآخرين من الخارج، في أجمل صورها.
وهكذا نظلم ما في أيدينا مرتين: مرةً لأننا اعتدناه، ومرةً لأننا نقارنه بما لم نرَ منه إلا واجهته.
وكثيرٌ من قلق الإنسان ليس لأن حياته قليلة؛ بل لأنه يراها كل يوم، ويرى حياة الآخرين منتقاة.
كتب عباس خضر في مجلة "الرسالة"العدد 905، 1950م، متحدثًا عن أثر التعليم والامتحانات في القراءة:
"لا يكاد التلميذ ينتهي من (سُخرة) الامتحان حتى يلقي بالكتب وهو يشعر بالسعادة لتخلصه منها، وبغضه للكتاب المدرسي يجرّه إلى بغض جنس الكتاب".
ملاحظة مبكرة وموجعة؛ فأخطر ما يواجه الطالب أن يخرج من التعليم وقد ارتبط في وجدانه الكتاب بالامتحان، والقراءة بالدرجة، والمعرفة بموعد ينتهي!
من الناس من يشكو قلّة التشجيع، وهو لا يريد تشجيعًا بقدر ما يريد من الآخرين أن يتولّوا صناعة مكانته.
وقد سخر العقاد في مقالته "احتكار الأدب" من هذا التصور بقوله: "أن يكون على الأديب المعروف أن يترقب كل ناشئ، ويقرأ ما يكتب، ثم يقدّمه للناس ويهيئ له طريق الشهرة؛- حتى انتهى إلى قوله- ومن طلب ذلك فما هو بأهلٍ للتشجيع".
ولعلها قاعدة تتجاوز الأدب: لا تجعل الآخرين مسؤولين عن اكتشافك؛ اصنع من نفسك وعملك ما يجعل اكتشافك نتيجةً لا مِنّة.
عبدالله بن يحيى آل قاسم retweeted
أستاذ الجامعة الضعيف .. حين يُهدر الوقت ويُستغفل العقل‼️
ليست كل خسارة في الجامعة تُقاس بالدرجات، فهناك خسارة أخطر‼️ أن تُهدر أعمار الطلاب وهم جالسون في مقاعد يفترض أنها صُنعت للتعلم.
المحاضرة الجامعية التي تستغرق 50 دقيقة ليست ملكاً للأستاذ وحده، بل هي 50 دقيقة من عمر كل طالب أمامه .. فإذا كان في القاعة 40 طالباً، فإن إهدار محاضرة واحدة يعني إهدار 2000 دقيقة، أي أكثر من 33 ساعة من أعمار الطلاب مجتمعة‼️
فكيف إذا تكرر المشهد أسبوعاً بعد أسبوع، وفصلاً بعد فصل؟
الأستاذ الجامعي الضعيف يحمل أعلى الدرجات العلمية، لكنه يعجز عن تحويل معرفته إلى تعليم، ومعلوماته إلى فهم، ومحاضرته إلى تجربة تُحرك العقل.
وقد مرّ علي خلال دراستي الجامعية ثلاثة أنماط من هؤلاء:
الأول: الأستاذ القارئ..
يحضر إلى القاعة، ويفتح الكتاب، ثم يقرأ على الطلاب بصوت مرتفع ما يستطيعون قراءته بأنفسهم في البيت‼️
لا تحليل، ولا إضافة، ولا تفسير، ولا مثال، ولا سؤال يوقظ العقل.
وكأن وظيفة الأستاذ أن يكون جهازاً بشرياً للقراءة‼️
الثاني: الأستاذ الناسخ..
يقف أمام السبورة ويكتب كل شيء تقريباً، والطلاب خلفه ينسخون ما يكتب، حتى تمضي الخمسون دقيقة في عملية ميكانيكية عجيبة:
هو يكتب.. وهم ينقلون‼️
فتتحول السبورة من وسيلة للإيضاح إلى وسيلة لاستهلاك الزمن، ويصبح الطالب آلة نسخ بدلاً من أن يكون عقلاً يفكر ويسأل ويناقش ويحلل.
وتغيب عن القاعة الخرائط الذهنية، والمقارنات، والأمثلة التطبيقية، والأسئلة المحفزة، والتفكير النقدي، وربط النظرية بالواقع.
أما الثالث: الأستاذ المسامر..
وهذا يجد في الأحاديث الجانبية والسواليف والسباحين والتعليقات البعيدة عن المقرر ملاذاً آمناً يملأ به زمن المحاضرة، وربما غطى بها ضعف التحضير أو قصور المادة التي جاء بها.
فتنقضي المحاضرة في أخذ ورد وضحك وقصص لا علاقة لها بالهدف التعليمي، ثم يخرج الطلاب وقد امتلأ الوقت .. ولم تمتلئ العقول.
وهنا تبدأ معاناة الطالب الجاد.
فالطالب الذي يعرف قيمة وقته يشعر بالاختناق حين يرى أثمن ساعات يومه تُستنزف أمامه دون فائدة، ولا سيما ساعات الصباح الذهبية.
فماذا يفعل؟
هل يواجه الأستاذ؟
قد تكون المواجهة المباشرة حساسة، وقد تُفهم خطأ.
هل يصمت ويستسلم؟
وهذا أيضاً خسارة.
أم يحاول إنقاذ وقته بالتعلم الذاتي، والقراءة، والبحث، ومراجعة مقرر آخر، وتدوين أفكاره، والاستفادة من المكتبة والمصادر العلمية؟
وهنا أتذكر تجربتي الشخصية بين عامي 1407 و1410هـ، عندما كنت طالباً في قسم #الجغرافيا بجامعة الإمام، فرع القصيم.
كنت إذا وجدت أن المحاضرة تتحول بصورة متكررة إلى وقت ضائع، ألجأ إلى أحد خيارين:
أختار الطاولة الأخيرة في القاعة، وأستثمر الوقت بهدوء في قراءة كتاب نافع، أو تدوين خاطرة، أو رسم فكرة.
وأحياناً أستفيد من نسبة الغياب النظامية المسموح بها آنذاك، وأتجه إلى المكتبة.
ولست أذكر ذلك دعوة للغياب عن المحاضرات، بل وصفاً لتجربة طالب كان يشعر أن الدقيقة من عمره أغلى من أن تموت في مقعد بلا معرفة.
ولكن السؤال الأعمق ليس كيف يتعامل الطالب مع الأستاذ الضعيف؟
بل:
كيف وصل الأستاذ الضعيف أصلاً إلى قاعة الجامعة؟
وهنا ينبغي أن تتجه الأسئلة إلى المنظومة نفسها:
هل التفوق الدراسي وحده كاف لاختيار المعيد؟
هل تُختبر قدرة المرشح على الشرح والإلقاء والحوار وإدارة القاعة قبل أن يبدأ مسيرته الأكاديمية؟
هل يتلقى عضو هيئة التدريس تدريباً حقيقياً على فن التعليم الجامعي؟
هل تُقاس جودة تدريسه وأثره في الطلاب كما تُقاس أبحاثه وترقياته؟
وهل توجد آلية جادة تكتشف الأستاذ الذي يهدر عشرات الساعات من أعمار الطلاب كل فصل، ثم تعالجه تدريباً وتقويماً ومساءلة؟
المشكلة إذن ليست في اختيار المعيد وحده، بل في سلسلة كاملة تبدأ بـ #الاختيار، ثم #التأهيل، ثم #التدريب، ثم #التقييم، ثم #المتابعة و #المحاسبة.
فالجامعة لا تحتاج أستاذاً يحفظ المقرر؛ فالكتاب يحفظه أكثر منه.
ولا تحتاج من يملأ الخمسين دقيقة بأي كلام حتى يرن جرس النهاية.
الجامعة تحتاج أستاذاً يجعل الطالب بعد 50 دقيقة يخرج بعقل مختلف عما دخل به.
فالطالب لم يأتِ إلى الجامعة ليملأ مقعداً..
بل ليُملأ عقله.
وهنا أعود للسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصوت مرتفع:
هل معايير اختيار المعيدين وتأهيل أعضاء هيئة التدريس وتقييمهم في جامعاتنا بحاجة إلى مراجعة أعمق، بحيث لا يكون السؤال فقط: ماذا يعرف الأستاذ؟
بل أيضاً:
هل يعرف كيف يُعلِّم ما يعرف؟
وللإنصاف، فإن هذه الأوصاف لا تنسحب على جمهور أساتذة الجامعات؛ ففيهم كثير من المتميزين والمخلصين الذين أحسنوا التعليم وأثروا في طلابهم، فكثرهم الله وأثابهم.
وإنما حديثي هنا عن قلة موجودة، رأيت أن تسليط الضوء على ممارساتها مهم؛ صوناً لوقت الطالب، وارتقاء بجودة التعليم الجامعي .. هذا والله أعلم.











