Pinned Tweet
في كلِّ جمعةٍ…
تنهضُ من صمتِ الأبواءِ نَفْحةُ حنينٍ خفيّة، تمسُّ القلوبَ مسَّ الريحِ لسطحِ الماء؛ رفقًا ورهافةً وشفافية. كأنّ الذاكرةَ تفتحُ نافذتَها لنا، وتُطلُّ منها أرواحٌ أحببناها يومًا، ورحلَتْ عن الدنيا وهي تترك في حياتنا ضوءًا لا ينطفئ، ودفئًا لا يبرد.
ونستقبلُ الجمعةَ كما يستقبلُ المشتاقُ بشارةً طال انتظارها؛
نقرأ فيها أسماءَ رجالٍ كانوا أمس معنا، واليومَ في رحمةِ الله،
لكنّ محبتَهم ما زالت تتدلّى من سقفِ القلب كسعفةٍ رطبةٍ لم يجفَّ ماؤها.
نذكرهم، فيرقُّ الخاطرُ كما يرقُّ الرملُ حين تلامسه قطرةُ مطر،
وتلينُ الروحُ كما تلينُ الأغصانُ في أول الربيع.
كأنّ ذكراهم خيطُ ضوءٍ يشقُّ ليلَ القلب،أو كأنّهم لؤلؤٌ استقرّ في صدفةِ الذكرى لا تبللُّه الأيام ولا تذروه الرياح.
رجالٌ…
مضَوا عن هذه الحياة، لكنّ أثرَهم بقي بيننا باسقًا كالنخلِ الذي يُحسنُ أهله العنايةَ به،
لا يضعفُ أصلُه،ولا تقلُّ بركتُه،
وتمرُهُ الجميل شاهدٌ على نقاءِ الجذور، وكرمِ النفوس، وصدقِ العطاء.
وحين تهطلُ أمطارُ الذكرى،
تفيضُ سيرتُهم في وجداننا كما يفيضُ السيلُ في موسم المطر؛
ينحسرُ الماءُ بعد حين، لكنّ آثارهُ تبقى منقوشةً على الأرض،
تمامًا كما يبقى أثرُهم منقوشًا في القلب…
لا يُمحى، ولا يُنسى.
وفي كلِّ جمعة، ترتفعُ لهم دعوتُنا،رقيقةً كنسيمٍ خرج من بين شقوقِ الفجر،وصادقةً كدمعةٍ اختنقت في العين حياءً من الله…
اللهمّ وسّعْ مضاجعَهم نورًا،
وارفعْ درجاتِهم سرورًا،
واجعلْ قبورَهم روضاتٍ تهفو إليها الملائكة كما تهفو الطيورُ إلى منازلها.
اللهم اجعلْ لهم من رحمتِك مطرًا، ومن غفرانِك بحارًا، ومن نعيمِكَ ما لا يفنى ولا يزول.
هكذا نمضي…
كلُّ جمعةٍ بابُ حنين،
وكلُّ ذِكرى دعاءٌ نرفعه لهم، وعهدُ وفاءٍ لا ينقطع؛
نرجو به رحمةَ الله، ونُجدِّده بالذِّكر الحسن،
وكلُّ دعاءٍ جسرٌ يصلُ ما بيننا وبينهم،
فنحنُ لا نذكرُهم لنحزن،
بل لنُبقيهم أحياءً فينا،
كالألماس الذي لا يبهتُ مهما مرّت عليه السنين.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صابر المحمدي retweeted
🎙️ صوتك يستحق أن يُسمع.. وأداؤك يستحق أن يُقيَّم!
هل تمتلك شغف التعليق الصوتي؟ هل ترغب في اختبار قدراتك واكتشاف مكامن القوة وفرص التطوير في أدائك؟
ندعوك للمشاركة في مساحتنا
حيث الفرصة لتجربة صوتك أمام نخبة من الأساتذة، والاستفادة من ملاحظاتهم وتوجيهاتهم لتطوير مهاراتك الصوتية.
🎧 تجربة، وتقييم، وخطوة نحو أداء أفضل!
📅 الأحد 25 أكتوبر 2026
🕣 8:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
📍 عبر منصة إكس
لا تكتفِ بالاستماع.. شاركنا صوتك، فربما كانت هذه المساحة بداية انطلاقتك! 🎙️
#التعليق_الصوتي #مساحة_صوتية
#صوتك
هامةٌ عالية وسجايا سامية
تتوارى الأسماء في زحمة الأيام، وتبقى المعاني شاهدة لا تغيب، فإذا اجتمعت في رجل صفات لا تُستعار، وأخلاق لا تُصطنع، صار ذكره كالنقش في الحجر، لا تمحوه صروف الدهر، فليس الفضل أن يُعرف المرء حين يكون بين الناس، بل أن يبقى معروفًا فيهم بعد غيابه، وأن يكون أثره أصدق من حضوره، وذكره أطول من أيامه.
وفي طليعة من حفظت القلوب جميل ذكرهم، يأتي الأستاذ مليك بن حامد بن مليك المحمدي، رحمه الله، رجلًا اجتمع في شخصه صدق القول، وثبات الموقف، ونبل الخصال، فكان له من عزة النفس ما يصون كرامته، ومن طيب المعشر ما يستميل القلوب، ومن صفاء السريرة ما يرسخ مودته في النفوس، حتى غدت مواقفه أبلغ من الثناء، وأخلاقه أصدق من كل وصف.
عرفه الناس حسن السمت، جميل الخلق، صادق اللهجة، ثابت الجنان، لا تبدله الأيام ولا تصرفه الأحوال إذا تقلبت، يعطي الناس أقدارهم ويحفظ لنفسه قدرها، يعرف للكلمة موضعها وللصمت حكمته، فإذا تكلم جاء حديثه واضحًا كالصبح، يجمع بين اعتداد الكريم بنفسه وتواضع العارف بحقوق غيره، فلا تحمله عزة نفسه على الجفاء، ولا تدفعه المودة إلى التفريط في مبادئه.
في ميدان التعليم كان له عطاء يدرك قيمته من يعرف أن المعلم يكتب في النفوس ما تعجز الأوراق عن حفظه، فقد يؤدي الدرس في ساعة وتبقى ثمرته أعوامًا، وقد يقول لتلميذه كلمة فتكون له عند الحيرة مصباحًا، وهكذا كان أبو نجيب يؤدي رسالته، يعلّم بعلمه ويربّي بخلقه، ويمنح طلابه من معاملته ما يحبب إليهم العلم، فإذا طويت الدفاتر وسكتت أجراس المدارس بقي من أثر المعلم ما لا تطويه الأيام.
كان لافت الطلعة، هادئ الحضور، له من حسن الهيئة وجمال السمت ما يجعله معروفًا بين أصحابه، فإذا أقبل استقبله الناس بألفة، وإذا جلس كان لحديثه طابعه الخاص، ولابتسامته أثرها في النفوس، لا يتكلف لفت الأنظار ولا يستعير مكانته من مظاهرها، فبعض الناس يستمدون مكانتهم من مجالسهم، وبعض المجالس تستمد مكانتها ممن يجلس فيها، وتلك منزلة تصنعها الأخلاق قبل أن تصنعها الألقاب.
ولعقاله على رأسه هيئة لا تخطئها العين، عالٍ عند مقدمة الهامة، مائل إلى الخلف ميلًا يسيرًا، في وضع مميز صار من صورته المألوفة، يزيد طلعته تفردًا ويمنحها مسحة من الأصالة، حتى إذا استعاد محبوه صورته حضر ذلك العقال في الذاكرة، كأن بينه وبين صاحبه عهدًا حفظته العيون ولم تنقضه السنون، فكان ميل العقال سمة في المظهر، وعلو الهامة عنوانًا للوقار، وبقي جمال السجية أعمق من جمال الهيئة.
أما صراحته فكانت من أبرز خصاله، يقول ما يراه حقًا بلسان واضح، لا يكسو الكلمة ثوبًا يغير معناها، ولا يجعل للموقف وجهين يختار منهما ما يرضي السامعين، فإن قال صدق، وإن وعد وفى، وإن اتخذ موقفًا ثبت عليه، وكان للكلمة عنده وزن لا يتغير بتغير المجالس، وللوعد عنده عهد لا تنقضه الأيام، فالصدق في طبعه كالجذر في الشجرة، تستمد منه أغصانها قوة الثبات ورسوخ البقاء.
غير أن هذه الصراحة لم تحجب طيب قلبه، فقد كان يعرف للمودة حقها، وللصحبة قدرها، وللمعروف أبوابه، يجمع بين عزة النفس ولين الجانب، وبين وضوح العبارة وحسن المعاملة، فلا يستعير القسوة ليكون قويًا، ولا يتنازل عن قناعته ليكون محبوبًا، ومن جميل طبعه أن المرء يستطيع أن يختلف معه ويبقى له عنده حق الاحترام، فالمودة أوسع من خلاف عابر، والصحبة أعز من أن تذهب بها كلمة.
من جالسه ألفه، ومن صاحبه عرف معدنه، ومن خالطه وجد في حديثه صدقًا وفي معاملته لطفًا، وكان للمجالس معه طعم يبقى بعد انفضاضها، وللصحبة ذكريات لا تذهب بذهاب أصحابها، لا يحتاج إلى استدعاء الثناء، فقد كانت أخلاقه تتحدث عنه، وما أجمل أن يكون للإنسان في القلوب نصيب من المحبة تصنعه معاملته، وأن يبقى له من الذكر الحسن ما تقوله الألسنة حين يغيب عن المجالس، فطيب الأثر يطيل عمر الذكرى بعد الرحيل.
مضت الأيام وبقي لأبي نجيب منها ما يستحق البقاء، طلاب يذكرون معلمهم، وأصحاب يحفظون وده، ومعارف تستعيد صورته ومواقفه، فما كل ما تحفظه الذاكرة أحداث عظيمة، فقد تحفظ ابتسامة أو طريقة سلام أو كلمة طيبة جاءت في وقتها، وربما كانت هذه التفاصيل الصغيرة أوسع في القلب من صفحات طويلة، لأنها تحمل دفء الإنسان كما عرفه محبوه، حتى يصبح استحضارها لقاء من نوع آخر، تحضره الذكرى ويغيب عنه الزمن.
رحم الله أبا نجيب، وغفر له، وأكرم نزله، وجعل علمه النافع نورًا له، وإحسانه رفعة في درجاته، وما غرسه من جميل الخصال في نفوس الأجيال أجرًا موصولًا لا ينقطع، وأفاض عليه من واسع رحمته وعظيم رضوانه، وجزاه عن طلابه ومحبيه خير الجزاء، وجمعه بمن أحب في جنات النعيم.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
صوتك جميل، لكنك لا تجيد الإلقاء؟
لديك جوهرة تحتاج إلى صقل؛ افهم النص، وتدرّب، وسجّل صوتك، واستعن بمن يصوّب أداءك، ولا تضق بنقده؛ فالمرآة التي تكشف الخلل تعينك على إصلاحه، والثناء يسرّك لحظة، والتوجيه ينفعك عمرًا؛ فالصوت هبة، والإلقاء مهارة، والمعنى يقود الصوت.
#فن_الإلقاء
صابر المحمدي retweeted
Replying to @3232Sab
🌻رحمه الله وما أبهى خاتمته لقي ربه وهو ساجد بصلاة الفجر حين كان أقرب إلى ربه من كل ما في الدنيا أسكنه الله الجنة
سجدةٌ توَّجت صبرًا
في صلاة الفجر، حين يستقبل المصلّون يومًا جديدًا، كان آخرُ عهده بالدنيا سجدةً لله؛ أدركه الأجل وهو ساجد، فاجتمع في خاتمته شرف الصلاة، وسكينة الفجر، وقرب السجود، وبقي لمحبّيه حزن الفراق ورجاء الرحمة، كلما أثقلهم الأول رقّق قلوبهم الثاني؛ فما أرقّ هذه الصورة على النفس، وما أعظم ما توقظه من الدعاء.
أيُّ قلبٍ يستعيد تلك الخاتمة فلا تلين قسوته؟ في سجدةٍ لله كان رحيله، وفي نفوس أحبّته بقي شوقٌ لا تُسكته الأيام؛ لهم معه ذكرياتٌ يرجعون إليها، وله في حياتهم منزلةٌ يعرفونها، فإذا ذكروا صبره وعلمه وشعره وإحسانه اجتمعت المآثر على اسمٍ أحبّوه؛ الأستاذ المربّي الشاعر عبدالمحسن بن عبدالعالي بن غالي اليوبي، رحمه الله.
في بداية الصف الثالث الثانوي ألمّ به عارضٌ صحي، فانتقل إلى معهد النور بمكة المكرمة، وواصل دراسته حتى تخرّج بامتياز، ثم عُيّن في المدينة المنورة؛ تأمّل هذه الكلمات القليلة، وما اختصرته من أيام الاجتهاد وساعات الدرس، فإن الشهادة تخبرك بما ناله صاحبها، ويبقى وراءها ما بذله حتى نالها، وقد استحق أبو زكي امتيازه، وجعل منه بدايةً يمضي بعدها إلى مزيدٍ من العلم.
انتسب إلى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، ودرس التاريخ حتى حصل على البكالوريوس؛ كان للعمل حقّه وللدراسة حقّها، وبينهما جهدٌ يقتضي تنظيم الوقت ومداومة الطلب، فبلغ غايته وأتمّ دراسته، وأضيف إلى سيرته فصلٌ من المثابرة، جديرٌ بأن تعرفه الأجيال التي تلقّت العلم عنه، فقبل أن يكون معلّمًا لها كان طالبًا يعرف للتعلّم قدره، ويمنحه من أيامه ما يستحق.
بعد أكثر من عقدٍ أمضاه في تعليم المدينة المنورة، انتقل إلى تعليم جدة، وعُيّن أستاذًا للتاريخ في متوسطة وثانوية مستورة، واستمر فيها حتى طلب التقاعد؛ وما أقصر المسافة بين التعيين والتقاعد في العبارة، وما أطولها في حياة المعلّم؛ أعوامٌ تتعاقب، وطلابٌ يأتون ثم يمضون، ودروسٌ تستدعي الإعداد والشرح، حتى تصبح المدرسة جزءًا من سيرة صاحبها، ويصبح له في تاريخها نصيبٌ من الوفاء.
المعلّم لا يعلم دائمًا مدى أثر كلماته؛ فقد يحتفظ الطالب من درسه بمعنى يصحبه سنين، وقد تفتح إجابةٌ عن سؤالٍ عابر بابًا إلى حبّ المعرفة، فيمتد نفع التعليم إلى ما بعد أعوام الخدمة، ولهذا حين ندعو لأبي زكي نستحضر ما يُرجى له من أجر العلم، ونسأل الله أن يجعل ما علّمه نافعًا، وأن يجزيه عن طلابه خير الجزاء.
كان شاعرًا ذكيّ القريحة، وللشعر في سيرة المعلّم مذاقٌ خاص؛ فمن أمضى وقته مع الكتاب والدرس، ثم وجد في نفسه موهبة القول، اجتمعت له صحبة العلم وصحبة الأدب، وصارت اللغة موضع عنايةٍ في عمله وإبداعه، تلك خصلةٌ تزيد معرفتنا به قربًا؛ نستعيد معها إنسانًا له اهتماماته ومواهبه، وتذكّرنا أن لكل رجلٍ وراء مسمّاه الوظيفي حياةً تستحق أن تُعرف ويُحتفى بجميلها.
كان محبوبًا من معارفه، والمحبة أصدق ما يمنحه الناس من أنفسهم؛ قد يثنون على علم إنسانٍ ولا يألفونه، لكنهم إذا أحبّوه صار اسمه مفتاحًا لحديثٍ يطيب لهم، وصار غيابه نقصًا يشعرون به، ولأبي زكي من هذه المحبة ما يدعو إلى الوفاء؛ حين يذكره من عرفوه يقترن ذكره بالترحّم عليه، وتجد مودتهم سبيلها إلى الدعاء، كأن القلب يطلب لصاحبه عند الله من الإكرام ما يعجز هو عن تقديمه.
أما إحسانه، فكان له أدبٌ يصونه؛ أنفق من ماله في الخفاء، وأبقى اسمه مستورًا، واستمر على ذلك حتى رحل، وحسبنا أن نذكر هذا القدر، فإن للمعروف الذي اختار صاحبه ستره حرمةً ينبغي أن نحفظها، ولعل أجمل ما في عطائه أنه مضى دون أن ينتظر حديثًا عنه؛ تلك منزلةٌ من الكرم يُرجى لصاحبها ثوابٌ عظيم، ونترك تفصيلها حيث أحبّ، سائلين الله أن يتقبّل منه ويضاعف له الأجر.
تمرّ الأعوام، وتبقى للمحبّة طريقتها في حفظ أصحابها؛ كلمةٌ تستدعي صاحبها، ومناسبةٌ يفتقده فيها معارفه، وحديثٌ عن التعليم أو الشعر يعيد اسمه إلى المجلس، فلا يستكثرون عليه الدعاء، ولا يملّون ذكره بخير؛ هكذا يكون للإنسان من بعد رحيله مقامٌ في النفوس، كلما طرقته الذكرى أجابته المودة، وكلما مرّ به الحزن صحبته دعوةٌ نرجو أن تبلغ صاحبها رحمةً ورفعةً ونعيمًا عند ربّه الكريم.
يعزّ علينا أن تصير سيرة من نحبّ كلامًا نكتبه بعد أن كانت صحبةً نحياها، لكن الوفاء يجمع ما تفرّق من مآثرهم، ويمنح الحزن لغةً أرفق من الصمت؛ فنذكر أبا زكي بما عُرف عنه من فضل، ونحفظ له جميل ذكره، ونسأل الله أن يجعل له من محبة الناس دعواتٍ صادقةً يتجدّد بها الخير كلما جرى اسمه على لسانٍ محبٍّ وفيٍّ.
رحم الله أبا زكي رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة؛ اللهم اجعل ما صبر عليه رفعةً له، وما أنفقه في الخفاء نورًا، وآنس وحشته، وأكرم نزله، واجمعه بمن يحب في جنات النعيم.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
يومُ المعلّم… وفاءٌ وعرفان
ما أرقَّ وفاءَ القلب؛ نُودع فيه أيامًا نحسب أننا نسيناها، فإذا مرّ اسمُ مدرسةٍ درسنا فيها، أو سمعنا صوتًا يشبه صوت معلّمنا، انفتح فيه بابٌ، وعدنا صغارًا نحمل كتبنا، ونسعى إلى مقاعدنا، ونفرح بكلمة ثناءٍ كأنما ملكنا بها الدنيا؛ فأين ذهبت تلك السنوات؟ وكيف بقيت هذه الفرحة على حالها، لم تُبلِها الأيام؟
يأتي اليوم العالمي للمعلّم، فأجدني أعود إلى مدرسة ابن القيم الابتدائية بالأبواء، إلى ذلك الزمن الذي كان السطر فيه طريقًا طويلًا، وكانت قراءةُ كلمةٍ جديدةٍ فتحًا نفرح به؛ أمسكنا الأقلام بأيدٍ صغيرة، وجلس أمامنا معلّمونا يردّون الحرف إلى موضعه، ويعيدون الشرح، وينتظرون حتى نفهم، فما ضاقوا ببطء بدايتنا، ولا بخلوا علينا بما يعيننا على التقدّم.
كنّا نرى الصفحة التي كتبناها بالقلم الرصاص، ولا نرى ما وراءها من صبر؛ نحمل الدرجة إلى أهلنا فرحين، ولا ندرك مقدار الجهد الذي سبقها، حتى إذا كبرنا، وجرّبنا أن نشرح لغيرنا أمرًا نعرفه، أدركنا شيئًا مما كان يبذله معلّمونا في فصلٍ كامل، تتفاوت فيه الأفهام، وتكثر الأسئلة، ويحتاج كل طالبٍ إلى نصيبه من العناية.
ثم مضينا إلى متوسطة وثانوية الأبواء، وكبرت معنا أحلامنا؛ صار السؤال أوسع، والدرس أعمق، والمسؤولية أقرب، وكان معلّمونا يأخذون بأيدينا إلى ما ينتظرنا، يشحذون هممنا، ويهذّبون سلوكنا، ويعلّموننا أن النجاح يحتاج إلى عمل، وأن المرء مسؤولٌ عن وقته، وعن كلمته، وعن الأمانة التي يحملها.
ما أكثر ما نفهم من نصائحهم اليوم مما لم نفهمه بالأمس! كنّا نستثقل بعضها، ونودّ لو أُعفينا منها، ثم خرجنا إلى الحياة، فإذا بها تنتظرنا عند مواضع الحاجة؛ نذكرها حين نختار، ونستعين بها حين نختلف، ونعرف أن حرصهم علينا كان أبعد نظرًا من رغباتنا العاجلة.
في تلك المدارس تشكّلت ملامحنا الأولى، ونمت صلتنا بالعلم، وعرفنا معنى أن يكون للإنسان غايةٌ يسعى إليها؛ كان معلّمونا يتعهّدون مواهبنا، ويتيحون لها أن تظهر، ويمنحون محاولاتنا فرصةً لتنضج، حتى أصبح ما نطمح إليه أقرب إلى نفوسنا، وصارت لنا جرأةٌ على البدء، وعزيمةٌ على الإتمام.
لمعلّمينا ومربّينا وإدارات مدارسنا جميعًا شكرٌ يشملهم، ويحفظ لكلٍّ منهم فضله؛ فقد اجتمعت جهودهم في تكويننا، ولكلٍّ منهم يدٌ لا يجحدها الوفاء، سواءٌ حفظت الذاكرة تفاصيلها أم غابت عنها؛ إننا نحمل من عطائهم أكثر مما نستطيع روايته، وربّ فضلٍ لا نتذكّر بدايته، ولكننا نعيش خيره كل يوم.
لو تأمّل أحدنا ما يُحسن، لرأى لمعلّميه فيه نصيبًا؛ في عبارةٍ يكتبها، وحسابٍ يُجريه، وكتابٍ يفهمه، وأدبٍ يلتزمه، ثم لرأى كيف يتجاوز نفعُ المعلّم تلميذه إلى أسرته وعمله ومجتمعه؛ يبدأ الدرس في غرفةٍ محدودة، وتمضي ثماره إلى مواضع لا يعرفها صاحبُه، وذلك من جميل ما أودع الله في العلم من بركة.
من الوفاء لهم أن نصلهم بالسؤال، ونطمئنّ عليهم، ونُسعدهم بكلمة شكرٍ صادقة؛ فقد يطول العهد، وتتباعد الديار، ثم يجمعنا لقاءٌ أو اتصال، فنسمع في أصواتهم فرحةً تعيد إلينا دفء أيام الدراسة، وندرك أن بوسعنا أن نمنحهم شيئًا من السرور الذي منحونا إيّاه.
يا معلّمينا، كبرنا، وما زالت لكم في نفوسنا هيبةٌ يؤنسها الحب، ومكانةٌ يحفظها العرفان؛ نستعيد أيامكم، فنبتسم لما كان فيها من فرح، ونتأمّل ما كان فيها من نصح، ثم نرفع أكفّنا بالدعاء، راجين أن يجزيكم الله عنّا بما لا تبلغه كلماتنا.
اللهم بارك فيمن بقي من معلّمينا، وأسبغ عليهم الصحة والعافية، وأدم عليهم السكينة، وأقرّ أعينهم بصلاح أبنائهم وطلابهم، واجزهم عنّا خير الجزاء.
اللهم ارحم من رحل منهم، واغفر لهم، وأكرم نزلهم، ونوّر قبورهم، وارفع درجاتهم، واجعل ما علّمونا من علمٍ نافعٍ أجرًا متّصلًا لهم، كلما انتفعنا به ونفعنا غيرنا.
#اليوم_العالمي_للمعلم
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
للصوت قدرةٌ عجيبة على إحياء الكلمات؛ ففي نبرته يظهر فرح التهنئة، ورفق المواساة، وحماسة الدعوة إلى العمل، وحسن الإلقاء أن يقود المعنى صوتَ المتحدث؛ فيقوى حين تستحق العبارة التأكيد، ويلين حين يدعو المقام إلى الإنصات، وتتنوّع نغمته دون تكلّف، ويتمهّل عند فكرةٍ تحتاج إلى تأمّل، ثم يقف حيث يكتمل المعنى ليمنح السامع فرصةً للفهم؛ جرّب أن تقرأ فقرةً بصوت مسموع، وسجّل أداءك، ثم استمع إليه بأذن جمهورك: هل عبّر صوتك عمّا أردت إيصاله؟ أعد القراءة بعد أن تعرف الجواب، فبالفهم يحيا الأداء، وبالممارسة يُصقل الصوت، حتى تصل الكلمات واضحةً إلى العقل، دافئةً إلى القلب.
#فن_الإلقاء
صاحب الابتسامة والترحيب
للابتسامة الصادقة فجرٌ يطلع، فيبدّد من وحشة اللقاء ما تبدّده الشمس من عتمة الطريق، وللترحيب يدٌ تربّت على القلب فتؤنسه؛ قد تقصر لحظة اللقاء ويطول أثرها، ويسكن الصوت ويبقى صداه، وتغيب الملامح ويظل نورها ساريًا في الذاكرة؛ لأن البِشر إذا نبع من صفاء النفس غدا للقلوب ربيعًا، وللأرواح ظلًّا، وللمودة جسرًا تعبر عليه من غير استئذان.
بهذا الخلق الجميل عاش الأستاذ إبراهيم بن حمد بن سلوم المحمدي رحمه الله؛ إذا أقبل سبقته ابتسامته، وإذا رحّب ألبس اللقاء ثوب الألفة، وإذا صافحك أشعرك أن للمصافحة قلبًا ينبض، كان وجهه الطلق نافذةً تطل منها طيبته، وكلماته قطرات ودّ تهطل على النفوس فتزهر بها، حتى غدا حضوره أنسًا، وحديثه لطفًا، حتى غدا حضوره أنسًا، وحديثه لطفًا، وصار اسمه إذا مرّ بالذاكرة أعاد إليها دفءَ اللقاء ونضارةَ الابتسامة.
جمع رحمه الله بين البساطة والوقار، فكان قريبًا ممن حوله من غير تكلّف، مهيبًا من غير غلظة، يألفه من يلقاه وتطمئن إليه النفس؛ يصغي إلى محدثه باهتمام، ويمنحه ما يشعره بقيمة حديثه، ويختار من الكلام ما يفتح أبواب المودة ويغلق منافذ الجفوة، فإذا رأى زلّةً وسعها بحلمه، وإذا بلغه ما يكدّر الصفو غلبت سماحته غضبه؛ لأنه أدرك أن القلوب تُحفظ بالرفق، وأن العفو أكرم من الوقوف عند الهفوات.
من رحمة الله بعباده أن يودع في بعض القلوب رقةً تجعلها أسرع إحساسًا بآلام الناس، وقد كان أبو خليل قريب الدمعة، تهزّه المواقف الإنسانية، ويتألم لما يصيب الآخرين؛ إذا بلغه حزن رقّ له، وإذا رأى ألمًا تأثر به، كأن أوجاع الناس تجد في قلبه صدى، وفي عينيه دمعةً تبوح بما تضيق عنه الكلمات، ولم تكن دمعته ضعفًا، بل كانت برهان قلبٍ لم تقسّه الأيام ولم تغلق الرحمة أبوابه.
أما تواضعه فكان يمشي معه حيث سار، سجيةً لا تتبدّل؛ يوقر الكبير، ويرفق بالصغير، ويستقبل القريب والبعيد بالوجه نفسه والقلب نفسه، فلا يشعر أحد في حضرته أنه دون غيره قدرًا، ولا يرى في حديثه ما يوحي بأنه يتقدم بمنصب أو تجربة، فقد كان يمنح الإنسان حقه من الاحترام قبل أن يعرف ما عنده من جاه أو مال؛ لأن ميزانه في المعاملة قيمة المرء لا قيمة ما يملك.
تجاوز كرمه حدود كل مائدة تُمد أو عطاء يُبذل؛ فكان كريمًا في الإصغاء والوقت وحفظ الود، ربما قال كلمةً في موضعها فرفع خاطرًا، أو بسط وجهه لمهموم فخفف عنه، أو حفظ غائبًا بوفاء فصان للعشرة حقها، وهكذا كان عطاؤه ينساب هادئًا كماء صافٍ، لا يثير حوله جلبة، غير أن أثره يبلغ الأعماق ويترك في النفوس امتنانًا لا تذروه الأيام.
في الأبواء، بين أهله ومعارفه، مضت أيامه مرتبطًا بالمكان ارتباط الجذر بأرضه، يشارك أهله أفراحهم وأحزانهم، ويحفظ للقرابة حقها، وللصداقة عهدها، وللجيرة حرمتها؛ لم تكن صلته بهم حديث مناسبات، بل وفاءً تكشفه الأيام، وسؤالًا يصل في وقته، ومودةً لا تغيّرها المسافات ولا تشغل عنها الحياة، لذلك بقي اسمه في ذاكرة عارفيه مقرونًا بالصفاء وحسن الصلة وجميل الوفاء.
كان أبو خليل حاضر البديهة، سريع الخاطر، يلتقط المعنى من طرفه ويبلغ بجوابه صميمه؛ فإذا سُئل أشفى، وإذا أجاب كفى، يكسو المعنى الواضح عبارةً حسنة، ويضع الكلمة في موضعها، حتى ليخيّل إلى سامعه أن الجواب كان ينتظر السؤال، وقد جمع في ردوده بين سرعة الفهم وحسن البيان، فلا يطيل حيث يكفي الإيجاز، ويقرّب المعنى إلى قلب من يسأله.
تولّى إدارة بريد محافظة رابغ أعوامًا طويلة، غير أن المنصب لم يضف إلى قدره عند الناس بقدر ما أظهر ما فيه من أمانة واتزان؛ دخل الإدارة بأخلاقه وخرج منها بها، فلم تحجزه المسؤولية عن الناس، ولم تبدّل مكتسباتها سجيته، وبقي الرجل في موقعه كما عرفه أهله خارجه؛ باسم الوجه، قريب الجانب، يؤدي واجبه في هدوء، لا ينتظر ثناءً ولا يطلب التفاتًا.
جاء الأجل الذي كتبه الله على كل حي، فكانت المدينة المنورة خاتمة مطافه، وفي رحابها انتقل إلى رحمة الله، ثم ووري جسده في بقيع الغرقد؛ خاتمة يشرق منها حسن الرجاء، وتفتح في قلوب محبيه أبواب الدعاء، نحسبه من أهل الخير ولا نزكي على الله أحدًا، ونسأل الله أن يكرم نزله، ويؤنس وحشته، وينير قبره، ويجعل ما بثه في القلوب من مودة وما أدخله عليها من سرور في موازين حسناته.
رحل أبو خليل، وبقيت سيرته وديعةً في ذاكرة عارفيه؛ كلما مر اسمه أشرقت في الخاطر ملامحه، وعاد إلى النفس شيء من لطفه، فقد صنع من بشاشته صدقة، ومن تواضعه رفعة، ومن رحمته ظلًّا، ومن طيب معاملته عمرًا آخر لا تطويه السنون، رحم الله أبا خليل رحمة الأبرار، وأسبغ عليه شآبيب المغفرة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، وجمعه بمن يحب في دار كرامته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
يبدأ الإلقاء بأذنِ مُلقٍ تُصغي إلى المبدعين، ثم بلسانٍ يتدرّب على القراءة الجهرية، وتجربةٍ تصقلها الممارسة المستمرة؛ فكلما أحسن الاستماع، ازداد قدرةً على أن يُسمِع الناس ما في الكلمة من معنى.
#فن_الإلقاء
خرج بالثمار وعاد بأجرها
للجود نبعٌ يفيض من القلب قبل أن تمتد به اليد؛ فإذا صفا معدن النفس، سما العطاء واتّسع أثره، وغدا ما يقدمه الإنسان أكبر من حجمه في الكف، لما يتركه في النفوس من محبةٍ ودعاء، وأثرٍ طيبٍ لا يزول.
في سيرة العم مسلط بن أحمد بن سعدون اليوبي، رحمه الله، صفحةٌ نديّة من هذا الجود؛ رجلٌ مستور الحال، عاش بقلبٍ يرى في الصدقة رزقًا آخر لا تراه العين، وفي جبر الخواطر غنًى لا تمنحه خزائن المال، فكانت الرحمة أثمن ما يملك، والكرم أجمل ما يهب، حتى صار عطاؤه كثير النفع، عظيم الأثر.
عاش بما تيسّر له من رزق، واعتمد على عمل يده فيما يعينه على شؤون حياته، غير أن حاجته لم تشغله عن البذل؛ فكان يتفقد أحوال من حوله، ويسأل عمن يحتاج إلى العون، ويبادر بما يستطيع في رفقٍ يحفظ للناس كرامتهم، من غير أن يكلّف أحدًا مشقة الطلب أو يعرّضه للحرج.
كانت له مزرعةٌ ترتوي من الأمطار والسيول، يذهب إليها فيجمع ما نضج من ثمارها، ويحملها قاصدًا السوق ليبيعها وينتفع بثمنها؛ يخرج وفي نفسه أن يعود بشيءٍ يسد به بعض حاجته، ثم يوزع من ثمارها في طريقه، فيعطي هذا، ويخصّ ذاك، حتى يبلغ السوق وقد نفد ما معه، فلا تبقى ثمرةٌ يبيعها.
خرج يريد ثمن الثمار، فعاد بأجرها.
ما أبلغ هذا المشهد في الدلالة على طبيعته؛ يحمل محصول أرضه وهو أحوج إلى ثمنه، ثم تغلب سماحة نفسه حاجته، فلا يطاوعه قلبه أن يمضي بما معه من غير أن يشارك الآخرين فيه، تخفّ الثمار من يده شيئًا فشيئًا، وتمضي إلى أيدٍ يفرح أصحابها بها، حاملةً معها معنى يتجاوز قيمتها؛ معنى الكرم الذي يمنح في عفوية، ويسعد بالعطاء من غير انتظارٍ لثناء.
رأى أبو سعود في فرحة من أعطاهم عوضًا يطمئن قلبه، وفي دعواتهم الصادقة ربحًا لا تبلغه أثمان الثمار ولا حسابات البيع كلها.
كانت الصدقة عند أبي سعود إحساسًا بالآخرين قبل أن تكون مالًا يُدفع، وكان تفقد أحوال من يحتاجون إلى العون أصدق شاهدٍ على ذلك؛ فالعطاء الذي يأتي بعد السؤال كريم، لكن الإحسان الذي يبادر صاحبه به يحمل رقةً خاصة؛ إذ يعفي الآخر من البوح، ويحفظ له عزته، ويبلغه بالخير في لطفٍ وتقدير.
لهذا لم يرتبط كرمه بموسم الثمار، وإنما كان خُلُقًا ثابتًا يجري في حياته بقدر استطاعته، فقد عرف أن الحياء قد يمنع بعض الناس من إظهار حاجتهم، فكان يسأل عنهم في هدوء، ويضع المعروف في موضعه، ثم يمضي كاتمًا ما صنع، بعيدًا عن المنّ الذي يذهب بجمال العطاء.
اتّسم عطاؤه بأدبٍ يزيده بهاءً؛ لا حديثٌ يكشف خصوصية من يعينه، ولا نظرةٌ تشعره بالحرج، ولا انتظارٌ لكلمة ثناء؛ يعطي كأنه يؤدي حقًّا، ويعين كأنه يقضي واجبًا، ويترك لمن أحسن إليه كرامته كاملة، وهنا يبلغ المعروف تمامه؛ حين تسعد به النفس من غير أن يؤلمها، وتفرح بالعطاء من غير أن تشعر بثقله.
إن الرجل الذي يحمل ثماره إلى السوق وهو يرجو ثمنها، ثم يعود وقد وزعها، لم يكن عاجزًا عن حساب الربح، وإنما كان يحسن حسابًا آخر؛ حساب ما يبقى بعد زوال المال، وما يثمر بعد انقضاء العمر، لقد انتقلت ثمار مزرعته من يده، لكنها بقيت في صحيفة عمله، وصارت قصتها بعد رحيله درسًا يروي كيف يكون الغنى في النفس، وكيف يصنع العطاء أثرًا لا ينقضي.
تلك بعض ملامح أبي سعود؛ نفسٌ سمحة، ويدٌ مبسوطة بما تستطيع، وعينٌ تتفقد مواطن الخير؛ لم ينتظر السعة حتى يجود، ولم يجعل ما يملكه مقياسًا لكرمه، بل فتح من رزقه أبوابًا للآخرين، فصار اسمه مقرونًا بذكر الصدقة، وصارت حكايته مع الثمار عنوانًا على كرمٍ صادقٍ لم تصنعه وفرة المال، وإنما صنعته وفرة المروءة.
مضى أبو سعود عن الدنيا، وبقي المعروف شاهدًا له في قلوب من عرفوه؛ غابت يده التي امتدت بالعطاء، وظل أثرها حاضرًا في ذاكرة من عرفوا فضله، وفي دعوات من شملهم إحسانه، وفي ذكرٍ طيبٍ يقول إن المرء قد يرحل خالي اليدين من دنياه، لكنه يلقى عند الله ما قدّمته يداه.
رحم الله أبا سعود، وغفر له وأنار قبره، وآنس وحشته، وأكرم نزله؛ اللهم اجعل كل ثمرةٍ وهبها، وكل إنسانٍ أعانه، وكل خاطرٍ جبره، وكل نفسٍ أدخل عليها السرور في ميزان حسناته، واجعل ما أخفاه من معروفٍ أعظم مما عرفه الناس، وأبدله بثمار الدنيا ثمارًا دانيةً في جنات النعيم، واجمعه بأهله ومحبيه في دارٍ لا فقر فيها ولا وجع، ولا يكون بعد اللقاء فيها وداع.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
إذا نطق الخبيتي بحب الوطن، أيقظ في الروح فرحًا تتجاوب معه الخطى قبل الشفاه، وعلى إيقاعه يأتي
❄️يحق لي أفخر لإني سعودي❄️؛ شطرٌ يخرج من القلب فخرًا، وتعيده الأغنية إلى الشفاه مضمّخًا برائحة الأرض، ودفء الانتماء، وبهجة الراية الخضراء.
كتب كلمات العمل الشاعران فهد الغريبي ونادر جابر، وغنّاه صاحب الصوت الجميل حسن مرسال، وأشرف عليه من الألف إلى الياء الموسيقار المبدع مدني عبادي.
اقتربوا منه بأسماعكم؛ فلعل أجمل ما يُقال عن عملٍ غنائي أن يترك لكم متعة اكتشافه.
كل عام وهذا الوطن العزيز بخير وفي تقدم وأمن وأمان واستقرار.
صابر المحمدي retweeted
في اليوم الوطني السعودي 96 نزف أسمى التهاني لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وسمو ولي العهد الامين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود حفظهما الله وللشعب السعودي وللأمتين العربية والإسلامية سائلين المولى عز وجل أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والإستقرار ورغد العيش وأن يرد عنها شر كل ذي شر من أعدائها الظاهرين والمتربصين
صابر المحمدي retweeted
اليومُ الوطنيُّ السَّادسُ والتسعون
عزُّنا بطبعنا
ذكرى اليوم الوطني السعودي تحلّ من القلوب سويداءها لدى أبناء الشعب السعودي ومحبي أقدس البقاع في عالمنا الإسلامي وهي وإن حلت في عامنا هذا الذي تكالبت فيه قوى الشر على أن تشعر المملكة وشعبها أنه قد أحيط بها، فإنَّ الله قد عودنا من ولاة أمرنا رباطة الجأش واحتساب الأمور قبل وقوعها، فقد ورث أبناء المؤسس العظيم الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود رحمه الله تعالى حكمته في أوسع وأسمى صورها، كيف ونحن نعيش في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله الذي وعى التاريخ وخصوصًا تاريخ المملكة وتاريخ والده في صدره، فنحن نعيش حكمة المؤسس العظيم واقعا جعلنا نثق بمسيرتنا في ظل القيادة الرشيدة لآل سعود أعزَّهم الله ثم إنَّنا نثق بمعزي الثاني حفيد معزي الأول الذي أحلنا ثقةً بزماننا بالرؤية المباركة 2030، وتبوءِ مكانة الزعامة العالمية ولي العهد الأمين صاحب السُّمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، ثم إنّ الشَّعب السَّعودي الذي كان نعم الساعد للمؤسس العظيم رحمه الله في مرحلة التأسيس والبناء والنهضة الشاملة في عهود الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله- مستغلاً ما أتاحه ولاة الأمور من فرص التعليم داخل المملكة وفي الجامعات العالمية حتى أصبحت المملكة موضع الإعجاب والتقدير في مختلف المحافل العلمية والثقافية والسياسية العالمية وما الجوائز التي يحققها أبناؤنا سنويا، وبراءات الاختراع التي تسجل بأسماء أبناء المملكة إلا صورة من التقدم العلمي الذي بلغته المملكة، وكذلك المكانة السياسية والاقتصادية التي أوصلتنا لأقوى الأمم العشرين في العالم، وتبقى الصورة الأسمى والأجمل والأقوى هي التفاف الشعب السعودي حول قيادته كلما ازدادت المحن وادلهمت الخطوب وأبرز أمثلتها ما تعيشه بلادنا في هذه المرحلة الخطيرة وقد تكالبت قوى الشر تبارينا عن قوسٍ واحدة عياناً ومخاتلة وسط حملاتٍ إعلامية تظافرت على أن المملكة العربية السعودية محاصرة وإذا درع الوطن ضافية قوامها قيادة راسخة لا تروم سوى حكمتها المعهودة في الرزانة السياسية، ويصدق عليها قول الشاعر:
تمرُّ بكَ الأبطالُ كَلْمى هزيمةً***ووجهُكَ وضَّاحٌ وثغركَ باسمُ
وشعبٌ ملتفٌ حول قيادته حتى أصبح يحسب له الحساب الأوفى كدرع اجتماعية إعلامية أعيت حِيَل النفاذ، وجيشٌ جمع صلابة وجرأة ونجدة الفارس العربي بتقانة العصر، فأصبح جلمود قتال ذكي أذهل من شاركهم تدريبًا ومناورة وله في الميدان جانب مهاب.
كلُّ ذلك، إنمَّا هو جِماعُ ائتلاف من قيم الإسلام وأخلاق العرب، وطباع إنسان هذه الأرض في صورة فرسان التوحيد وأخوان من أطاع الله شعبٌ سعودي والمملكة العربية السعودية في يومها الوطني وسائر أيامها.
صابر المحمدي retweeted
🇸🇦 قيَمُنا عالية
🇸🇦 مبادئُنا ثابتة
🇸🇦 أرضنا طاهرة
🇸🇦 أجواؤُنا نظيفة
🇸🇦 دولتنا قوية
🇸🇦 قيادتنا مَهِيبَة
🇸🇦 شعبنا حُرّ
🇸🇦 عزيمتنا صادقة
التاريخ يشهد .. الحاضر يُثْبًت .. المستقبل يعزِّز
💚 #اليوم_الوطني_السعودي_٩٦ #عزّنا_بطبعنا 💚
رجلٌ تاجر مع الله
للمال في يد الكريم حكايةٌ لا ترويها الأرقام، يخرج من كفّه فيصير ماءً يروي ظمآن، ومسجدًا يُعمَر بالصلاة، وطمأنينةً تدخل بيتًا أقلقته الحاجة، تلك بعض الصفحات من سيرة الأستاذ عطية بن ناهر بن مثني المحمدي، رحمه الله؛ بقيت بشاشة وجهه في الذاكرة، ومودته في القلوب، وآثار يده الممتدة بالخير في حياة الناس.
كان الأستاذ عطية بن مثني سهل النفس، طلق الوجه، قريب المجلس، إذا لقيك سبقتك ابتسامته، وإذا حدثك أسقط من الحديث كلفته، فلا تحس أنك أمام رجلٍ يتصنع التواضع، بل أمام نفسٍ جُبلت عليه، يصل رحمه، ويسأل عن الغائب، ويعود المريض، ويشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، لذلك أحبه من خالطه، فقد رأوا منه مودةً تمشي على قدمين، ووفاءً لا يقف عند حدود القول، وإنما يترجم نفسه فعلًا حاضرًا، وموقفًا جميلًا، ويدًا تعرف متى تمتد، وقلبًا يعرف كيف يواسي.
بدأ جانبًا من حياته معلّمًا في البُخترية بوادي قديد، والتعليم ليس كلماتٍ تُلقى ثم تنتهي بانصراف الطلاب، ولكنه غرسٌ قد تخفى بذرته أعوامًا ثم يظهر ثمره في الرجال، وقف أبو عُمر أمام طلابه يفتح لهم أبواب المعرفة، ويصل العلم بالأخلاق، ويضم إلى درس الكتاب درس القدوة، فرب كلمةٍ قالها المعلم، وحفظها الطالب عمرًا، ورب موقفٍ صغيرٍ في عين صاحبه أقام في نفس من رآه كبيرًا، مضت أيام المدرسة، وتفرقت بالطلاب السبل، وبقي من تلك المرحلة أثرٌ لا تمحوه السنون، لأن العلم إذا صحبه الخلق استقر في العقل والقلب معًا.
كان إذا احتدم خلافٌ لم يزد النار حطبًا، ولم يدخل بين المختلفين ليغلب أحدهما للآخر، بل جاء بقلبٍ يريد الإصلاح، ولسانٍ يعرف أن الكلمة قد تجرح وقد تداوي، فيسمع، ثم يقول من الكلام ما يقرب المسافة بين النفوس، ويعيد إلى المودة طريقها، غير أن لين جانبه لم يكن ضعفًا، وحرصه على الاجتماع لم يكن مداهنة، فقد كان في الحق لا يخشى لومة لائم، يجهر بما يراه صوابًا من غير فظاظة، ويحفظ للناس أقدارهم من غير أن يساوم على المبدأ، فاجتمعت فيه شجاعة القول وأدب القول، وما أجمل الحق حين تحمله عبارةٌ صادقة لا تؤذي ولا تجامل.
أما ماله، فقد أدرك أن قيمته ليست فيما يبقى منه في اليد، بل فيما يبقى به من أثر، فأسهم في بناء المساجد وحفر الآبار، وتفريج الكرب وسد حاجة المحتاجين، ودعم جمعية تحفيظ القرآن الكريم، وهذه أعمالٌ قد تبدو متفرقةً لمن ينظر إلى صورها، لكنها تلتقي كلها عند بابٍ واحد، باب الرحمة، فالمسجد موضع سجدة، والبئر حياة عطشان، وتفريج الكرب رحمة، وإعانة المحتاج فرجٌ بعد ضيق، وخدمة القرآن بناءٌ للروح، وما أكرم المال حين يتحول من رقمٍ صامت إلى منفعةٍ ناطقة، ومن متاعٍ زائل إلى رجاء أجرٍ باق.
لم يكن أبو عُمر ممن يجعلون المعروف رسولًا إلى الثناء، ولا ممن يضعون أيديهم بالعطاء ثم يمدون أعناقهم إلى المديح، كان يبذل ويرجو ما عند الله، ويترك للخير أن يبلغ موضعه في هدوء، يعطي من غير منّ، ويقضي الحاجة من غير أن يكسر خاطر صاحبها، ويعلم أن ما حُبس من المال إلى زوال، وأن ما أُرسل في طرق البر هو الباقي عند الله، هكذا تاجر مع الله، وكانت بضاعته إحسانًا، ورأس ماله إخلاصًا، وربحه دعوةً في ظهر الغيب، ومحبةً سكنت القلوب من غير استئذان.
للشعر في حياته مجلسٌ يعرفه أهله، فقد عُرف شاعرًا بارعًا في الكسرة وزومالة العرضة الحربية، يُبدع البدع ويُحسن الرد، ويزن العبارة بميزان المعنى والمقام، فلا تأتي كلمته غريبةً عن مناسبتها، ولا باردةً عن شعورها، والشعر الشعبي حين يخرج من طبعٍ صادق لا يكون زينة مجلس فحسب، بل يصبح سجلًا للمروءة، ولسانًا للحماسة، وجسرًا يصل حاضر الناس بموروثهم، وكان إذا قال أصغى المجلس؛ لأن الكلمة الصادقة تعرف طريقها إلى الأسماع، ثم تجد لنفسها مكانًا في الذاكرة، لذلك كان شعره وجهًا آخر من وجوه شخصيته، فيه قريحته، ومعرفته بهذا الفن، وحضوره الذي ألفته المجالس.
رحل الأستاذ عطية، وبقيت بعده آثارٌ لا تحتاج إلى من يرفع صوته ليدل عليها، فالعمل الصادق أبلغ من الخطب، والماء الجاري لا يسأل العطشان عن اسم من حفر بئره، والمسجد لا يتوقف عن بث أجره، والقلب الذي مسه المعروف لا ينسى اليد التي أحسنت إليه، هكذا عبر أبو عُمر أيامه، موزعًا نصيبه من الخير بين علمٍ نافع، وصلحٍ يجمع، ومالٍ ينفع، وكلمة، ثم مضى وبقيت سيرته تقول إن المرء لا يخلد بطول بقائه، ولكن بصدق ما يتركه بعده من أثر.
رحم الله أبا عُمر رحمةً واسعة، وأكرم نزله، وجعل علمه وعطاءه وسعيه في الإصلاح وقوله الحق ذخرًا له يوم يلقاه، وجعل ما أسهم به في مسجدٍ أو بئر، وما قدّمه لذي حاجةٍ، وما بذله في خدمة كتاب الله في موازين حسناته، ونوّر قبره، ووسّع مدخله، وجزاه عن كل قلبٍ أسعده، وحاجةٍ قضاها، وكلمةٍ أصلح بها خير الجزاء، وجمعه بأحبابه في جنات النعيم.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
إذا كنت تهاب الوقوف أمام الجمهور، فلا تنتظر أن يصمت الخوف في داخلك؛ فالمواجهة خير من الهروب.
أَعِد موضوعك حتى تألفه، ورتّب أفكارك حتى تعرف طريقها، ودرّب لسانك حتى تطاوعك الكلمات، وأحكم افتتاحيتك، وحين تقف، ثبّت قدميك، واهدئ أنفاسك، وارفع بصرك، وابدأ على مهل؛ فلا تجعل خفقان قلبك يحدّد إيقاع كلماتك.
ثم تدرّج؛ تحدّث أمام شخص، فمجموعة صغيرة، فجمهور أكبر، فكل تجربة تهدم حجرًا من جدار الرهبة، وتضعه في بناء الثقة.
وما تخشاه اليوم بالمواجهة، تألفه غدًا بالممارسة.
من يعمل خير لا يعلّم به
إن الرحيل لا يأخذ الإنسان كله؛ فقد تغيب الملامح، ويسكن الصوت، ويخلو المجلس من صاحبه، ويبقى من جميل السيرة ما لا تقوى الأيام على محوه، ذكرٌ تألفه القلوب، ومواقف تستعيد بها الذاكرة أصحابها، وأثرٌ يجدّد في النفوس شيئًا من حضورهم كلما مرّت أسماؤهم على الألسنة.
للأبواء من رجالها أسماءٌ إذا مرّت في حديث أهلها لم تأتِ وحدها؛ جاءت معها صورٌ من أيام مضت، وملامح ألفتها العيون، وأحاديث أنست بها المجالس، وخصالٌ بقي عبيرها في القلوب، حتى يصبح الذكر الطيب صلةً خفية بين من رحل والمكان الذي عاش فيه.
تحتفظ ذاكرة الأبواء للشيخ علي حسن بن يوسف أبو جلي المحمدي رحمه الله بصورةٍ لم يبهتها الرحيل؛ لطفٌ في الحديث، وسهولةٌ في المعشر، وتواضعٌ لا تصنّع فيه، وابتسامةٌ ألفها من عرفه، حتى بقي ذكره مقرونًا بصورة رجل عاش بين أهله على سجيته، قريبًا منهم، عزيزًا في مودتهم.
أما حكايته مع الكرم، فلها باب أجمل ما يفتحه قول كان يجري على لسانه، ثم كشفت الأيام بعد رحيله كم كان يشبه صاحبه:
"من يعمل خير لا يعلّم به"
لم تكن عبارة يقولها أبو حسين ثم تمضي، بل كانت خُلُقًا عاشه؛ فالكرم عنده كان أوسع من مال يُبذل، كان كرم نفس قبل أن يكون كرم يد، يعرف للحاجة حرمتها، ولصاحبها كرامته، ويبذل ما يستطيع بقلب سمح، طالبًا ما عند الله، لا يجعل للعطاء قيمة في نفسه إلا بمقدار ما يحققه من خير.
لعل الحكمة الدارجة: "يا ليت لي عند الكرام دَين" تجد معناها في أمثال أبي حسين؛ فالكرام يحفظون الود، ويرعون الصحبة، ويذكرون الجميل، وكان في طبعه ميل إلى الوقوف مع الناس ومشاركتهم أحوالهم، يرى المروءة فعلًا قبل أن تكون قولًا، ويرى للصلة والمودة حقوقًا لا ينبغي أن تغيرها الأيام.
كان الخير عنده واسع الأبواب؛ مواساة في حزن، ووقوفًا مع صاحب حاجة، ووفاءً لصديق، وبذلًا لما يستطيع ابتغاء الأجر، يفعل ذلك بنفس سمحة لا تمنّ بما أعطت، ولا تنتظر ثناءً على ما صنعت، فقد كان يرى للناس حقوقًا تؤديها المودة، وللمعروف قيمة تزداد حين يصاحبه لطف يحفظ للإنسان قدره.
كان تواضعه يراه من عرفه في قربه من الناس، ولين حديثه، وسهولة مجلسه، لم تكن مكانته بين أهله تمنعه من أن يكون قريبًا منهم، يألف ويؤلف، ويستقبل من يلقاه بنفس طيبة، حتى كانت البساطة المحببة جزءًا من شخصيته، وكان حسن لقائه بالناس لونًا آخر من ألوان كرمه؛ فالإنسان قد يكرم بماله، وقد يكرم كذلك بكلمة طيبة ووجه يؤنس من يلقاه.
لابتسامته في ذاكرة من عرفه حضور لا يحتاج إلى مبالغة؛ كانت تليق بطبعه الهادئ ولطف معشره، وتمنح لقاءه شيئًا من الأنس، حتى إذا اجتمعت إلى تواضعه وسماحته اكتملت صورة الرجل الذي يجد الناس في قربه راحة، وفي حديثه لطفًا، وفي صحبته مودة.
كان وفيًّا للصحبة، حافظًا للمودة، يعرف للناس أقدارهم، ولا تمحو الأيام عنده جميلًا سبق، ولا تغير الأحوال ما استقر من ود؛ فالوفاء عنده لم يكن كلمة تقال في ساعة الصفاء، بل خُلُقًا يبقى مع الأيام، وحفظًا للصحبة، ورعاية لما بين الناس من ود.
رحل أبو حسين رحمه الله، وبقي في ذاكرة الأبواء ما ألفه أهله وأصحابه منه؛ لطف الحديث، وسهولة المجلس، والتواضع، وكرم النفس، والوفاء، ومواقف من الخير مضت أيامها وبقي أثرها، عاش قريبًا من أهله، يشاركهم أحوال الحياة بقلب سمح، فحفظت له القلوب مودته، وبقي ذكره الطيب كلما جرى في المجالس حمل معه شيئًا من جميل سيرته.
تبقى كلمته “من يعمل خير لا يعلّم به” مفتاحًا جميلًا لجانب من سيرته؛ قالها على سجيته، وعاش معناها في مواقفه، فبقيت بعده شاهدة على نفس رأت الخير عملًا يُبتغى به ما عند الله، لا حديثًا يُطلب به ما عند الناس.
رحم الله أبا حسين رحمة واسعة، وغفر له وأكرم نزله ووسّع مدخله، وجزاه عن كرمه ووفائه ومروءته، وعن كل خير قدّمه، وكل خاطر جبره، وكل معروف بذله ابتغاء وجه الله خير الجزاء، وجعل جميل عمله في ميزان حسناته، ونورًا له ورفعةً في درجاته، وأسكنه فسيح جناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي
السؤال:
قد يكون صوتك جميلًا، ولغتك سليمة، وتعرف ما تريد قوله، ثم تقف أمام الناس فلا يصل إليهم من حديثك ما كنت تتوقع، وقد تستمع إلى شخص صوته عادي، لكنه ما إن يبدأ الكلام حتى تنصت له، وتتابعه باهتمام، وتشعر أن عباراته تدخل إلى النفس بسهولة، فما السر؟
الجواب:
السر في حسن الأداء؛ نطق سليم، وفهم للمعنى، ومعرفة بالجمهور، وصوت يتلوّن بما يقول، وثقة تنمو بالتدريب والممارسة، فليس المهم جمال الصوت بقدر ما يتركه في السامع من أثر.
#فن_الإلقاء
رجلٌ من معدن الطيبين
هناك رجالٌ تألفهم القلوب قبل أن تجمعك بهم الأيام، بما يسكن نفوسهم من صفاء، وما يفيض من أخلاقهم من سماحة، وما يلقون به الناس من تواضع ومحبة، ومن هؤلاء العم عطية بن عبدالمعطي بن قايت اليوبي رحمه الله؛ رجلٌ عاش على سجيته، بسيطًا قريبًا من الناس، أحبهم وأحبوه، حتى غدا ذكره مقرونًا بحسن المعشر، ونبل النفس، والتواضع، وجميل السيرة.
عاش رحمه الله مكافحًا، يعرف للحياة أعباءها، وللسعي في طلب الرزق مشقته، ويحمل مسؤولياته بصبر ورضا، تعاقبت عليه الأيام بما فيها من تعب ومشقة، فلم تنتزع منه صفاء روحه ولا خفة ظله، وظل كما عرفه الناس؛ سهل النفس، لين الجانب، واسع الصدر، يستقبل الحياة ببشاشته المعهودة، وكأن التعب كان يمر به ولا يجد إلى قلبه سبيلًا.
كانت أخلاقه تظهر في معاملته قبل أن تُذكر في وصفه، محبًا للناس، يحفظ للكبير قدره، ويمنح الصغير نصيبه من الاحترام، لا ينظر إلى أحد من علٍ، ولا يجعل للمكانة أو المظهر أثرًا في حسن معاملته، بل يلقى من أمامه بذلك الوجه الذي يعرفه الجميع، حتى يشعر جليسه أنه موضع تقدير واهتمام.
وكانت ابتسامته ملمحًا لا يخطئه من عرفه، لا تكاد تفارق محيّاه، تزيد مجلسه أُنسًا ولقاءه بشاشة، وكان مرحًا بطبعه، طلق الوجه، ومن ألطف ما عُرف عنه أنه إذا غضب ابتسم؛ كأن في داخله شيئًا يأبى أن يترك للغضب وجهه كاملًا، فتسبقه البسمة، ويهدأ الموقف، ويمضي ما حدث دون أن يتحول إلى خصومة، فلا يحمل في صدره طويلًا، ولا يحتفظ من العتاب بما يفسد الود.
وللعطاء في حياته مكانه، يجود بما يستطيع، ويصنع المعروف في هدوء، لا يتزيّن بما يقدم أمام الناس، ولا يجعل منه حديثًا بعد وقوعه، يعين حين يقدر، ويبذل حين يجد للبذل موضعًا، والأجمل أنه كان يحفظ لمن أمامه كرامته، فلا يثقل معروفه بمنّة، ولا يستعيده في مجلس، وكأن ما خرج من يده خرج من ذاكرته أيضًا.
أما تواضعه فلم يكن خُلُقًا يعلنه، بل طريقة حياة يراها من يجالسه، لم يكن يحتقر أحدًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، ولم تكن قيمة الإنسان عنده بما يملك أو بما يحمل من لقب، يجالس هذا كما يجالس ذاك، ويستمع إلى الصغير كما يستمع إلى الكبير، فلا يشعر أحد في حضرته أنه أقل شأنًا من غيره؛ وتلك منزلة لا يبلغها المرء بالكلام، وإنما تكشفها الأيام والمعاملة.
وكان أبو سعد ونيسًا بمعنى الكلمة؛ بسيطًا لا يتصنّع، عفويًا لا يتكلّف، تجلس إليه فتألفه، وتأنس بحديثه، وتجد في حضوره راحة لا تحتاج إلى تفسير، حديثه قريب، وضحكته حاضرة، وطبعه هادئ، وصدره يتسع لكثير مما قد يضيق به غيره، يتجاوز عما يمكن تجاوزه، ويختار للكلمة ألينها، وللموقف أيسره، فلا يخرج جليسه من مجلسه إلا وفي نفسه شيء جميل لذلك اللقاء.
ولعل سر محبة الناس له أنه لم يصنع شيئًا من أجل أن يكون محبوبًا، وإنما عاش كما هو، فوجدت القلوب طريقها إليه؛ لم يتعمد أن يبدو متواضعًا، ولم يتكلف البشاشة، ولم يجعل من معروفه وسيلة إلى الثناء، كانت هذه الأشياء جزءًا من سجيته، ولذلك جاءت محبة الناس له صادقة، بعيدة عن المجاملة، وبقي قريبًا من الكبير والصغير، عزيزًا على من عرفه.
مضى رحمه الله، وبقيت أشياء لا تحملها الصور وحدها؛ بقيت مواقف يتذكرها أصحابها، ومجالس يفتقد أهلها أُنسه، وابتسامة يعرفها من رآها، ومعروف ربما نسيه صاحبه ولم ينسه من وصل إليه، وبقي ذلك الأثر الذي لا يحتاج إلى شاهد ولا إلى كثير كلام؛ يكفي أن يُذكر أبو سعد بين من عرفوه حتى تستيقظ في الذاكرة صورته، ويأتي معها شيء من زمنه ومجالسه وحديثه.
وهكذا تبقى سيرة أبي سعد رحمه الله في ذاكرة من عرفوه؛ ذكرى إنسان عاش ببساطته، وكافح بصبره، وأحسن بما استطاع، واتسع للناس بقلبه، ثم ترك لهم بعده شيئًا لا يُشترى ولا يُصنع؛ محبةً صادقةً، ودعاءً يتجدد كلما حضرت ذكراه.
رحم الله أبا سعد رحمةً واسعة، وغفر له وأكرم نزله ووسّع مدخله، وجزاه عن حسن سيرته وتواضعه وما بذله للناس خير الجزاء، وجعل كل معروف صنعه، وكل خاطر جبره، وكل بسمة أدخلها على قلب، نورًا في صحيفته، ورفع درجته في المهديين، وأسكنه فسيح جناته.
#الأبواء
#شخصيات_من_الأبواء
#صابر_المحمدي














